عيسى مقابل يسوع، والنصرانية مقابل المسيحية

بسم الله الرحمن الرحيم

عيسى مقابل يسوع، والنصرانية مقابل المسيحية

بعد وفاة رسول الله وقعت حروب الردة تلتها حروب الروم والفرس التي نتج عنها الاستيلاء على بلاد العراق والشام ومصر. وبعد مقتل عثمان حدثت الحرب الأهلية بين معاوية وعلي ابن ابي طالب. ونتج عن هذه الأحداث المتسارعة الكثير من التغيرات في المفاهيم وفي المجتمع.

فالمدينة التي كانت مهد دولة المسلمين وحاضرة الإسلام هجرت كحاضرة للدولة بعدما اختار علي ابن أبي طالب نقل مقر حكومته إلى الكوفة قبل نقلها مرة أخرى إلى دمشق على يد معاوية. ومع المدينة هجر المسلمون الأتقياء القلة الذين بقوا على قيد الحياة. وأصبحت دولة المسلمين لا يعرف الغالبية العظمى من أهلها من الإسلام سوى اسمه.

وبما أن من تحول إلى الإسلام من سكان البلاد المفتوحة كان أكثرهم من المسيحيين، فإن كل ما ذكره القرآن عن النصارى وعن عيسى ابن مريم اعتبره المسلمون حديث عن يسوع والمسيحية (ديانتهم القديمة)، وهو ما ترسخ في تراث المسلمين حتى اليوم.

فأصبحت كتب المسيحيين المقدسة هي إنجيل عيسى الذي ذكر في القرآن الكريم ولكن رجال دينهم، غيروا آياته وبدلوها وحرفوها حتى بدت بهذه الصورة التي عليها الآن.

ويسوع هو عيسى، والاختلاف في اللفظ هو اختلاف تهجئة خاطئة.

والمسيحيون هم النصارى الذين تحدث عنهم القرآن.

وسيتم بعون الله نشر عدة مقالات متتابعة لبيان الفرق بين عيسى ويسوع وأن النصارى لا علاقة لهم بالمسيحيين وإنجيل عيسى لا علاقة له بكتب المسيحيين.

(التوراة وكتاب اليهود المقدس كتب العهد القديم)

التوراة هي ذلك الوحي الذي تلقاه موسى عليه الصلاة والسلام في أربعين ليلة: وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) الأعراف.

وكتبها على ألواح، وكانت تضم كل تشريعات دين الله التي تتفق مع تشريعات كل الرسل ومع القرآن: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ(145) الأعراف.

وقد سميت تلك النصوص التي كتبها موسى “التوراة:”.

وتلك التوراة تتطابق مع كل ما ورد في الخطاب التشريعي في القرآن: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(45) المائدة.

إضافة لذكر بعض الأحداث القديمة كخلق السموات والأرض وخلق آدم ونحو ذلك. وليس في التوراة خطاب توجيهي أو تفاعلي يتفاعل مع الأحداث حين حدوثها، كونها نزلت مرة واحدة.

أما الكتاب المقدس لليهود والمسمى (كتب العهد القديم) فكتاب تاريخي بدأ اليهود كتابته عن تاريخ موسى وبني إسرائيل والخليقة كما تصورها، بعدما أصبحوا أهل كتابة وتوثيق عندما تم سبي كثير منهم ورحلوا لبابل في العراق حيث الحضارات التي تعتمد الكتابة والتوثيق، وبقوا فيها سبعين سنة (كما يقولون) ومن هناك بدأت كتابة الكتاب المقدس. والذي تعاقب على كتابته عدد كبير في عصور مختلفة، وهذا موضوع لا يهمنا بحثه.

ما يهم هو أن الكتاب المقدس كتاب بدأ كسجل لتاريخ لم يحدث، يعتمد على تحويل بعض العبارات التي وردت في التوراة إلى قصص خرافي وبتوسع، كما فعل المفسرون المسلمون. وهو يظهر ضيق مدارك من كتبه وسيطرة الخرافات وتغلغل الخيال في ثقافتهم.

ومن ذلك أن التوراة تحدثت عن خلق السموات والأرض بنصوص مطابقة لما جاء في القرآن بكل تأكيد، كقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(54) الأعراف.

وقوله تعالى: وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (6) وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ(7) هود.

وقوله تعالى: وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ(10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(12) فصلت.

وفيما يلي ما ورد في كتاب التكوين من الكتاب المقدس وكيف حولها لقصص خرافي: في البدء خلق الله السموات والارض. 2 وكانت الارض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه. 3 وقال الله ليكن نور فكان نور. 4 وراى الله النور انه حسن. وفصل الله بين النور والظلمة. 5 ودعا الله

النور نهارا والظلمة دعاها ليلا. وكان مساء وكان صباح يوما واحدا 6 وقال الله ليكن جلد في وسط المياه. وليكن فاصلا بين مياه ومياه. 7 فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد. وكان كذلك. 8 ودعا الله الجلد سماء. وكان مساء وكان صباح يوما ثانيا 9 وقال الله لتجتمع المياه تحت السماء الى مكان واحد ولتظهر اليابسة. وكان كذلك. 10 ودعا الله اليابسة ارضا. ومجتمع المياه دعاه بحارا. وراى الله ذلك انه حسن. 11 وقال الله لتنبت الارض عشبا وبقلا يبزر بزرا وشجرا ذا ثمر يعمل ثمرا كجنسه بزره فيه على الارض. وكان كذلك. 12 فاخرجت الارض عشبا وبقلا يبزر بزرا كجنسه وشجرا يعمل ثمرا بزره فيه كجنسه. وراى الله ذلك انه حسن. 13 وكان مساء وكان صباح يوما ثالثا 14 وقال الله لتكن انوار في جلد السماء لتفصل بين النهار والليل. وتكون لايات واوقات وايام وسنين. 15 وتكون انوارا في جلد السماء لتنير على الارض. وكان كذلك. 16 فعمل الله النورين العظيمين. النور الاكبر لحكم النهار

والنور الاصغر لحكم الليل. والنجوم. 17 وجعلها الله في جلد السماء لتنير على الارض 18 ولتحكم على النهار والليل ولتفصل بين النور والظلمة. وراى الله ذلك انه حسن. 19 وكان مساء وكان صباح يوما رابعا 20 وقال الله لتفض المياه زحافات ذات نفس حية وليطر طير فوق الارض على وجه جلد السماء. 21 فخلق الله التنانين العظام وكل ذوات الانفس الحية الدبابة التي فاضت بها المياه كاجناسها وكل طائر ذي جناح كجنسه. وراى الله ذلك انه حسن. 22 وباركها الله قائلا اثمري واكثري واملاي المياه في البحار. وليكثر الطير على الارض. 23 وكان مساء وكان صباح يوما خامسا 24 وقال الله لتخرج الارض ذوات انفس حية كجنسها.بهائم ودبابات ووحوش ارض كاجناسها. وكان كذلك. 25 فعمل الله وحوش الارض كاجناسها والبهائم كاجناسها وجميع دبابات الارض كاجناسها. وراى الله ذلك انه حسن. 26 وقال الله نعمل الانسان على صورتنا كشبهنا. فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الارض وعلى جميع الدبابات التي تدب على الارض. 27 فخلق الله الانسان على صورته.على صورة الله خلقه. ذكرا وانثى خلقهم. 28 وباركهم الله وقال لهم اثمروا واكثروا  واملاوا الارض واخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الارض. 29 وقال الله اني قد اعطيتكم كل بقل يبزر بزرا على وجه كل الارض وكل شجر فيه ثمر شجر يبزر بزرا.لكم يكون طعاما. 30 ولكل حيوان الارض وكل طير السماء وكل دبابة على الارض فيها نفس حية اعطيت كل عشب اخضر طعاما. وكان كذلك 31  وراى الله كل ما عمله فاذا هو حسن جدا. وكان مساء وكان صباح يوما سادسا فاكملت السموات والارض وكل جندها. 2 وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل. فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. 3 وبارك الله اليوم السابع وقدسه. لانه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقا 4 هذه مبادئ السموات والارض حين خلقت. يوم عمل الرب الاله الارض والسموات…. انتهى كلام اليهود الذي كتبوه وكأنه تفسير للاك الله في التوراة وهو مماثل لكلام المفسرين عن القرآن.

ثم جاء التلمود وهو عبارة عن كتاب يضم علوم الدين عند اليهود، كما هي عند المسلمين: تفسير، حديث، فقه، ناسخ ومنسوخ … الخ

وكلها من صنع رجال دينهم، كما هي علوم الدين عند المسلمين التي خلقت بأيدي رجال الدين.

والخلط عند المسلمين بين الكتاب المقدس والتوراة حدث بعد الفتوح ودخول كثير من المسيحيين الذين تعتبر ثلاثة أرباع ثقافتهم الدينية مستمدة من كتاب اليهود. فقد ظنوا أن القرآن يتحدث عن كتب العهد القديم عندما يذكر التوراة، ذلك أن التوراة فقدت ولم يعد لها وجود. وبما أن يقول أنهم (يحرفون الكلم عن مواضعه) فقد ظن أولئك المسلمون الجدد أن اليهود قد قاموا باستبدال عبارات (الكتاب المقدس) بعبارات غيرها، وهو (على زنهم) ما يعنيه القرآن بقوله يحرفون الكلم عن مواضعه. وترسخ هذا المفهوم اليوم بصورة أكثر عمقاً، لدرجة أن الغالبية من المسلمين يعتقدون هذا الفهم الخاطئ.

ولم يفطنوا أن القرآن يعني بتحريف الكلم عن مواضعه هو الكلام العادي، والدليل واضح في سورة النساء التي تقول: مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً(46).

فاليهود يقولون راعنا بدل قول انظرنا على سبيل المثال، ولا شأن للتوراة التي فقدت بعد عصر موسى مباشرة، بهذا التحريف.

والسلام.

عيسى مقابل يسوع، والنصرانية مقابل المسيحية (1)

سنتناول عدة محاور لتغطية الموضوع كاملا بعون الله، كما يلي:

عيسى اسم ويسوع اسم آخر وليسا اسما لشخص واحد.

عيسى بعث لبني إسرائيل بعد موسى مباشرة، ويسوع إسرائيلي يبحث عن إقامة دولة إسرائيلية في فلسطين.

عيسى ولد في بلد بني إسرائيل الذي عاش فيه موسى، ويسوع ولد خارج فلسطين وجاء إليها يافعاً.

عيسى ولد وعاش ومات قبل أن يكون هناك يهود وقبل أن تظهر العقيدة اليهودية ويكون لها أتباع، ويسوع عاش في وقت سيطر فيه اليهود على المجتمع الإسرائيلي.

عيسى رسول أرسل لإعادة بني إسرائيل لتوراة موسى، ويسوع لا رسول ولا رسالة.

النصارى مقابل المسيحيون والمسيحية.

معنى الحواريون في القرآن لا علاقة له بالمعنى الذي ترجم لتلاميذ يسوع.

ويمكن إضافة محاور أخرى، كما يمكن تغطية كل التساؤلات الأخرى إن لم نمر بها بعدما ننتهي من تغطية هذه المحاور، بحيث لا نتوقف قبل تغطية كل ما يهم القراء معرفته حول عيسى ويسوع

ونعود لموضوعنا اليوم وهو:

عيسى اسم ويسوع اسم آخر وليسا اسما لشخص واحد

ونقول:

لو قرأنا الكتاب المقدس بتمعن لوجدنا أن عيسى ويسوع اسمان معروفان عند بني إسرائيل واليهود، وقد تكررا كثيراً في كتب العهد القديم. حيث ذكر عيسو (عيسى) في التكوين 70 مرة، وفي التثنية 6 مرات، أخبار الملوك الأول مرتين، أرميا مرتين، عوبديا 6 مرات، ملاخي مرتين. بمجموع 88 مرة – إن لم أخطئ في الجمع – كما تكرر ذكر يشوع (يسوع) قرابة 170 مرة.

وهناك كتاب مستقل من كتب اليهود المقدسة يسمى كتاب يشوع، يتكون من 34 إصحاحاً، تكرر فيه ذكر يشوع أكثر من 150 مرة. و يشوع هنا هو يشوع بن نون الذي تصفه كتب اليهود بأنه خادم موسى ووريثه.

وكتاب يشوع ذكر فيه اسم عيسو، ومن ذلك: وأعطيت اسحق يعقوب وعيسو وأعطيت عيسو جبل سعير ليملكه.وأما يعقوب وبنوه فنزلوا إلى مصر. (24 : 4).

كما جاء ذكر عيسو في كتب المسيحيين أيضاً، وتحديداً في رسالة بولس إلى أهل روميه (الإصحاح التاسع: 13)، ومرتين في الرسالة إلى العبرانيين في الإصحاحين 11 ، 12.

ويكون عيسو (عيسى) اسم يختلف عن اسم يسوع.

والملاحظ أنه كلما جاء ذكر يشوع (يسوع) في العهد القديم (كتب اليهود المقدسة) كُتِبَ بالإنجليزية Joshua بينما يكتب نفس الإسم Jesus إذا ورد في كتب العهد الجديد (كتب المسيحيين المقدسة). ولعل هذا ناتج عن أن ترجمة كتب اليهود المقدسة للغات الأوروبية تمت قبل ترجمة كتب المسيحيين بزمن طويل، ومن قبل أناس مختلفين في العصر والثقافة واختيار العبارات.

أما اسم عيسو (عيسى) فيكتب دائماً في النسخ الإنجليزية من الكتاب المقدس بهذا الشكل (Esau)، سواءً ورد في كتب العهد القديم أم في كتب العهد الجديد.

وكتب المسيحيين المقدسة كتبت أولاً باليونانية ثم بلغات ألمانية وشرق أوروبية قبل أن تصل منها إلى الإنجليزية. وبما أن تلك اللغات تنطق حرف “J” اللاتيني كما تنطق الياء العربية، فقد كتبت الياء التي يبدأ بها اسم يسوع بـ “J” ، وبما أنه لا وجود للعين في اليونانية فقد تحول يسوع إلى (يسو) ولأن الأسماء باليونانية تلحق في آخرها سين، فاسم مثل بيتر يصبح بيتروس، فقد أصبح يسوع (يسوس).

وعندما ترجمت الكتب للإنجليزية نطقت “J” كما تنطق بالإنجليزية (جيم) فصار يسوع ينطق (جيسوس) بدل (يسوس باليونانية)

وبقي في العربية والعبرية والآرامية كما هو في الأصل: “يسوع”.

والمؤسف هو أن كل الترجمات للقرآن للغة الإنجليزية يترجم فيها عيسى على أنه Jesus ولم يتوقف أحد حول هذه الترجمة الخاطئة حتى من قبل غربيين دخلوا الإسلام وكانوا رجال دين مسيحيين، ويفترض بهم معرفة أن Jesus ترجمة ليسوع وأن عيسى يجب أن يترجم. Esau أو Esa

(عيسى مقابل يسوع، والنصرانية مقابل المسيحية 2)

حمل وولادة عيسى ويسوع

 اليوم حديثنا عن الحمل وولادة كل من عيسى ويسوع ونسبهما.

أم عيسى في القرآن

هي مريم: إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ.(آل عمران:45)

ومريم أم عيسى معروفة النسب، فوالدها هو عمران: وَمَرْيَمَ ابْنةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ.(التحريم:12)

وهذا دليل آخر على أن مريم بنت لعمران وأمها زوجة لعمران: إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. (آل عمران:35-36).

وهو ما يعني أن مريم كانت معروفة في مجتمعها الذي عاشت فيه، والذي حملت فيه بعيسى، وولدته فيه، ولم تكن نكرة. والمجتمع الذي عاشت فيه هو

مجتمع بني إسرائيل وفي موطنهم الأصلي الذي هو قرية مصر فرعون.

ولم يذكر القرآن أن لمريم أخوات. ولكن لها أخوة. على الأقل هارون، الذي ذكرته الآية التالية: يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً.(مريم:28)

وهارون ذكر في القرآن كأخ لموسى، والمرسل معه لفرعون: ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ. (المؤمنون:45)

وحتى لو قلنا أن مريم أخت لهارون آخر وليس هارون شقيق موسى، فلا يغير من واقع أن مريم ابنة عمران من بني إسرائيل وعاشت في مجتمع إسرائيلي وفي موطنهم الأصلي.

لكن ورد في كتاب اليهود المقدس ما يؤيد أن مريم أخت لموسى وهارون (وهو كتاب تاريخي فيه أخبار بعضها صحيح وبعضها دون ذلك)

وهذا نص ما جاء في كتاب الخروج (15 : 19 – 20): ” فان خيل فرعون دخلت بمركباته وفرسانه الى البحر. وردّ الرب عليهم ماء البحر. وأما بنو اسرائيل فمشوا على اليابسة في وسط البحر. فاخذت مريم النبية أخت هرون الدف بيدها. وخرجت جميع النساء وراءها بدفوف ورقص”.

وأخت هارون هي أخت لأخيه موسى لكنها لقبت بأخت هارون لأنه الأخ الأكبر سناً. وقد ورد في عدة مواضع من الكتاب لمقدس ما ينص بكل وضوح على أن عمرآن هو والد موسى وهارون وأختهم مريم، ومن ذلك:

” واسم امرأة عمرام (عمرآن) يوكابد بنت لاوي التي ولدت للاوي في مصر. فولدت لعمرام هرون وموسى ومريم اختهما. (عدد: 26 : 59).

وهارون وموسى ومريم ولدوا في مصر بالفعل لأنها كانت موطناً لبني إسرائيل.

وفي مكان آخر نقرأ: ” وبنو قهات عمرام ويصهار وحبرون وعزيئيل. وبنو عمرام هرون وموسى ومريم. وبنو هرون ناداب وابيهو والعازار وايثامار. (أخبار الأيام الأول :6 : 1-3).

فإن كانت مريم هي ابنة عمرآن، وأخت لهارون. وهارون أخ لموسى، فعمرآن أب لموسى كما ذكرت كتب اليهود، وما قد يفهم من القرآن.

أم عيسى من القرآن

مريم، أم عيسى، كانت عذراء ولم يذكر القرآن أنها تزوجت قبل أو بعد ولادة عيسى: وَمَرْيَمَ ابْنَة عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ.(التحريم:12)

وتظهر الآيات القرآنية أن مريم قد أصبحت يتيمة في وقت كانت قد فقدت فيه أيضاً أخويها الذكور على ما يبدوا، ولذلك احتاجت لمن يكفلها كفالة يتيم. وقد تنافس على كفالتها عدد من الناس، لمكانة أهلها آل عمران الدينية، فموسى رسول الله وهارون ساعده الأيمن: ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ.(آل عمران:44)

وقد فاز بالقرعة زكريا: فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ.(آل عمران:37)

والمحراب في الآية يقصد به صالة الجلوس الرئيسية في المنزل، وليس كما ذهبت إليه في كتاب مسيحية بولس وقسطنطين من أنه المعبد.

وزكريا، الذي كفل مريم، رزق بولد سماه يحيى: هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء. فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ

يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ. قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء.(مريم: 38 – 40)

وتكون مريم معروفة النسب وولدت في مدتمع بني إسرائيل، كما أن يحيى ابن زكريا قد تربى مع مريم في كنف زكريا، وعاشت مريم ويحيى كالأخوين من عائلة واحدة.

أم يسوع

أم يسوع في كتب المسيحيين المقدسة ليست ابنة لعمران، بل ويستحيل أن تكون ابنة عمران، الذي كان والد موسى وهارون، لأنها جاءت بعدهم بقرون طويلة. وقد اعتبر المسيحيون أن القرآن مخطئ عندما نعت أم عيسى بأنها أخت هارون، وللأسف المحزن فقد تبنى المفسرون المسلمون هذا القول، وحاولوا أن يأولوا كلام الله تعالى لكي يتوافق مع كلام المسيحيين، ظناً منهم أن يسوع هو عيسى[1].

وأم يسوع لم يكن إسمها مريم، ولكن كان لها أخت اسمها مريم، أي خالة عيسى، وهذا ما يقوله بولس ويوافقه يوحنا بقوله: وكانت واقفات عند صليب

يسوع: أمه وأخت أمه مريم زوجة كلوبا ومريم المجدلية.(يوحنا 19:25) وبولس الأب الحقيقي للمسيحية لم يذكر أن اسم والدة يسوع كان مريم على الإطلاق.

وفي الكتب الثلاثة الأخرى (متى ومرقس ولوقا) ذكر بأن اسم أم يسوع كان مريم، ولعل هذا جاء من الإضافات والتنقيحات اللاحقة، لأنهم عندما كتبوا كتبهم كان قد إنتشر بين الناس القول بأن شخصية يسوع هي شخصية المسيح وأنه قد ولد من عذراء، كما أراد بولس ذلك وعمل من أجله وبشر به كما سنرى لاحقا.

وأم يسوع مجهولة الهوية والتاريخ، ولا يعرفها الناس في فلسطين، ولم يكفلها زكريا، ولها أخت.

المطلعين على تاريخ الكتاب المقدس يعلمون أن أم يسوع لم يكن اسمها مريم Miriam كما نقرأ في كتب المسيحيين المقدسة المنتشرة حالياً، ولكنها ماريه Maria. وهو اسمها الذي كان يستخدم في الكتابات المسيحية الأولى باليونانية، لكنه استبدل بدءً من القرن الرابع باسم مريم أو ميري. وما يؤكد هذا أن لها ابنة اسمها مريم وأخت اسمها مريم.

تذكر الكتب المسيحية أن أم يسوع تزوجت، ولم يستطع بولس، الأب الروحي للمسيحية، أن يقول بأن يسوع ولد من عذراء، كما اعترف بأن أمه تزوجت

بيوسف النجار. وكل الكتب المسيحية الأربعة تقول بأن أم يسوع كانت زوجة ليوسف النجار، وهذه حقيقة.

وقد ذكر اسم زكرايا في كتب المسيحيين المقدسة بشكل غير واضح، فكتاب لوقا يقول بأن هناك كاهن، اسمه زكرايا وأنه رزق بولد سماه يوحنا، وليس

يحيى، وأن يوحنا هو يوحنا المعمدان الذي كان يعمد الناس في نهر الأردن وعمد يسوع فيمن عمد، وقتله الحاكم الروماني. وهو على ما يبدوا شخصية وهمية ألبست شخصية النبي يحيى الذي عاش قبل عهد يسوع بمئات السنين، بطريقة لم تكن محكمة.

ويوحنا، الذي تقول كتب المسيحيين بأنه إبن زكرايا، لم يجتمع بيسوع ولم يره إلا قبل صلب يسوع بسنتين، وهذا نص ما جاء في الكتاب المقدس:

وشهد يوحنا قائلاً إني قد رأيت الروح نازلاً مثل الحمامة من السماء فاستقر عليه. (أي على يسوع) وأنا لم أكن أعرفه. (يوحنا: 1:32،33). وهذا ينفي أن يكون ليوحنا المعمدان أي صلة قربى أو معرفة سابقة بيسوع التي ادعاها كتاب لوقا.

ويوحنا إسم عبري يختلف عن إسم يحيى، ولذلك فيوحنا يكتب باللغة الإنجليزية بهذا الشكل (John) أو (Johann) أما يحيى فيكتب بطريقة مختلفة، هي أقرب لهذا الشكل (Yahya) أو (Yohya).

ولم تذكر كتب المسيحيين المقدسة أن يوحنا كان من أنبياء بني إسرائيل، ولا أن والده كان كذلك، وإن قالت تلك الكتب أن يوحنا المعمدان كان رجل دين وكان يدعوا للتخلص من حكم الرومان، ولذلك قبض عليه وأعدم.

وتكون شخصية يوحنا المعمدان شخصية وهمية أو أنها إن وجدت فلا تمت بصلة ليحيى ابن زكريا الذي عاش في وقت عاشت فيه مريم ابنة عمران وولدها

عيسى.

وسنرى كيف أن يعض الأسماء والأحداث التي كانت في عصر عيسى قد نسبت لعصر يسوع، مثلما نسب ليسوع كثير مما كان لعيسى، وذلك في حلقات قادمة بعون الله.

نسب عيسى

عيسى بدون أب في القرآن: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.(آل عمران:59)

نسب يسوع

يسوع له شجرة نسب في كتب المسيحيين المقدسة، وسلسلة نسب يسوع توصله إلى داوود ومن ثم إلى ابراهيم، وسنكتفي بإيراد سلسة النسب حتى داوود، والتي جاءت في كتاب متى بهذه الصورة: يسوع ابن يوسف ابن يعقوب ابن متّان ابن أليعازر ابن أليود ابن أخيم ابن صادوق ابن عازور ابن لياقيم ابن أبيهود ابن زربابيل ابن شألتئيل ابن يكنيا ابن يوشيا ابن آمون ابن منسى ابن حزقيا ابن أحاز ابن يوثام ابن عزيا ابن يورام ابن يهوشافط ابن آسا ابن أبيا ابن رحبعام ابن سليمان ابن داوود. (متى 1: 1)

وعلى القراء ملاحظة أن سلسلة نسب يسوع تقول إنه ابن يوسف النجار ولا تورد سلسلة النسب من جهة الأم كما يحاول بعض رجال الدين أن يحاول أن يغالط الحقيقة عندما يتحدث عن سلسلة نسب يسوع وانه يتصل بداوود من ناحية الأم.

وإيراد نسب ليسوع في كتب المسيحيين المقدسة فيه أمانة أدبية تفتقر لها كتب المسيحيين في الغالب عند نقل أحداث عصر يسوع. أو أنها حقيقة فات على المدققين ملاحظتها فوصلتنا. فيسوع بالفعل ابن ليوسف النجار الذي يتصل نسبه فعلاً بداوود، ولم يولد يسوع بدون أب كما سنرى لاحقاً. وهي حقيقة بقيت برغم محاولات بولس طمسها، ولكن ولسبب ما لم تمتد يد لشجرة النسب وتحذفها من كتب المسيحيين المقدسة لتبقى شاهداً على حقيقة يسوع وأنه ابن ليوسف النجار ولم يولد بدون اب.

وكتب المسيحيين تقول بكل وضوح أن أم يسوع عندما حملت به كانت مخطوبة ليوسف النجار بدل أن تقول أنها كانت متزوجة به. ولابد أن من قال بهذا كاتب ليس من اليهود ولا من بني إسرائيل ولكنه يحمل ثقافة رومانية أو يونانية، لأنه يجهل أنه في ذلك الزمن لو أن امرأة يهودية أو من بني إسرائيل لم تتزوج بعد وكانت مخطوبة فقط وظهر عليها الحمل فسيقام عليها حد الزنا وهو الرجم.

حمل وولادة عيسى في القرآن

قصة الحمل بعيسى في القرآن تتلخص بأن مريم كانت ذاهبة للخلاء: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا. فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا.(مريم:16-17)

وعادة الذهاب لمكان ظاهر البلد لقضاء الحاجة كانت منتشرة في أجزاء من جزيرة العرب حتى بعد مبعث محمد صلوات الله وسلامه عليه.

وأثناء ما كانت مريم في متبرزها حضر إليها أحد مخلوقات الله الروحانية من الفضاء الخارجي، والذي قد يكون من جنس رسل إبراهيم، الذين لديهم قدرات تعتبر في العرف البشري خارقة للعادة. فقد حملت إمرأة ابراهيم بولد نتيجة معالجتهم لها بطريقة لم تشعر بها ولم تتعرض لعملية جراحية أو تخدير وهي عجوز طاعنة في السن، توقف عندها نزول البويضة منذ عقود. ومثل ذلك حصل لزوجة زكريا أيضاً عندما حبلت بيحيى. ومن قدرات هذه المخلوقات أنهم يستطيعون التشكل على هيئة البشر والتحدث بلغاتهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يعيشوا كبشر ولا يتناول الطعام والشراب، لأنهم أجساد نورانية، ليس لها جهاز هظمي أو تنفسي: ولقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ. فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ. (هود:69 – 70)

·وقد حضر أحدهم لمريم عندما كانت في الخلاء لقضاء حاجتها، على هيئة بشرية، وابلغها بإرادة الله التي قضت بأن تحبل بولد، وقيام ذلك المخلوق بتلقيح البويضة التي في رحم مريم، وبطبيعة الحال بطريقة مشابهة للطريقة التي تمت بواسطتها إعادة تخلق البويضة لامرأة ابراهيم وامرأة زكريا وهما قد بلغتا من العمر عتيا، وبدون عمليات جراحية أو تماس جنسي، لأن تلك المخلوقات ليست مادية وليس لديها غرائز بشرية وليس لها جهاز تناسلي، ولا تستطيع ممارسة الجنس البشري: فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا. قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا. قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا. قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا. قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا. (مريم:17–21)

ولعل اكتشافات الطب الحديث قد جعلت تقبل فكرة حمل مريم بدون إتصال جنسي، أكثر من أي وقت مضى، خاصة بعد أن استطاع الإنسان أن يلقح البويضة بدون إتصال جنسي فيما عرف بالإستنساخ وهو عبارة عن تفريغ بويضة المرأة وحقن خلية من الرجل فيها، والإستنسال وهو حقن بويضة المرأة بخلية إمرأة، ويتم الحمل بدون إتصال جنسي بين الرجل والمرأة. وبطبيعة الحال الحمل بعيسى لم يكن عن طريق الإستنسال باستخدام خلية من أمه وإلا لولد أنثى. ولم يكن إستنساخ لأن بويضة مريم لم تلقح بخلية ذكر بشري. وقد يكون الحمل حدث دون الحاجة لبويضة ولا خلية، وهو ما توكده الآية (59) من سورة آل عمرآن في قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }.

وبعد حمل مريم بعيسى، فاجاءها المخاض وهي بقرب نخلة، ومن الألم الحسي للمخاض والألم المعنوي لما سيسببه الطفل لها أمام الناس من حرج، تمنت مريم لو كانت قد ماتت ولم تر تلك اللحظة: فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا. (مريم: 23 )

فلما وضعته: فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا. (مريم: 24)

وهذا قد يكون إيحاءً وليس وحيا، فبمجرد ما رأت الطفل حنت عليه وشعرت بالقوة النفسية والشجاعة لمواجهة الناس والتصدي لما قد يقذفوها به من ألفاظ بذيئة وإتهامات باطلة.

ومن ثم ألهمها الله أن تهز النخلة لكي تسقط الرطب، وهو ما يعني أنها ولدته في أواخر الصيف وأوائل الخريف وهو وقت تحول معظم البلح إلى رطب، وليس كما يلغي أي ظن عند بعض المسلمين أن احتفالات عيد الميلاد التي تكون في الشتاء ترمز لميلاد عيسى[2]: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا. فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا. (مريم:25- 26)

كما أن ولادتها تحت النخلة تؤكد أنها كانت في مناطق صحراوية حارة، وهو ما ينفي أن يكون عيسى ولد في فلسطين لأنها تقع ضمن مناخ البحر الأبيض المتوسط، والذي لم تكن النخيل تنموا فيه زمن عيسى وموسى، وقبل آلاف السنين. ولم تدخل زراعة النخيل لفلسطين إلا في عصور متأخرة لعلها جاءت مع الفتوح الإسلامية.

وكلمة صوم في الآية تعني صوماً عن الكلام وليس عن الأكل. والصوم عن الحديث في اللحظات الأولى للقاء الناس سيمكن مريم من كسب الثقة بنفسها والتفكير فيما يقال، لتكون أكثر قدرة على الرد لاحقاً بعدما تهدأ هي وتزول لحظة المفاجأة عند الناس.

وقد فوجئ قومها كما هو منتظر، وأمطروها بالتساؤلات الملحة عن كيفية الحمل ومن كان السبب في حملها: فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا.(مريم:27)

فلم يُشهد عليها خلال حياتها السابقة بأي تصرف ينم عن فساد أخلاقها، كما أنها من أسرة محترمة، فكيف حملت بدون زواج: يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا. (مريم:28)

ويمكن فهم أن أبوي مريم كانا قد رحلا، من الآية السابقة. ولو كانا على قيد الحياة لكان الحديث عنهما بصيغة المضارع وليس الماضي. كما انه لو كانا على قيد الحياة فسيشاركان في الأحداث، وهو ما ينطبق على أخوي مريم.

وقد ساعدها صمتها على جعل الناس يفرغون ما في جعبتهم من تهم وتساؤلات ثم تهدأ ثائرتهم، ولو ردت عليهم مريم بأي رد فسوف تؤجج عاصفة الغضب لديهم وقد يتجرأون على مهاجمتها والإضرار بها: فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا. قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا. وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا. (مريم: 29 – 33)

وإن كان عيسى تحدث في المهد فهذا يعني أن تلك المخلوقات المسئولة عن الحمل به، لديها القدرة على تنمية ذاكرة المولود وقدراته العقلية التي يكتسبها مع الزمن من كلام وتفكير وخلافه، بسرعة ليكون قادراً على التحدث بعد فترة بسيطة من مولده. أو أنه بالفعل كان مخلوقا مميزاً.

ولابد من ذكر ملاحظة هامة تم إضافتها لكتاب مسيحية بولس وقسطنطين، وهي أن حمل مريم بعيسى وولادته تمت في نفس اليوم، ولم تبق حاملاً به لمدة تسعة أشهر. فالآيات تقول أنها خرجت للمتبرز فتاة عذراء وعادت للقرية وبين يديها مولودها. وهذا ما ينفي عنها شبهة الزنا من جهة وما يؤكد تميز عيسى من جهة أخرى وأنه مخلوق غير عادي حيث ابتدر الناس بالحديث وهو رضيع في المهد.

حمل وولادة يسوع في الكتاب المقدس

علينا أن نتذكر أن كل كتب المسيحيين كتبت بعد صلب يسوع بعشرات السنين وبعد أن نشر بولس فكرة أن يسوع كان ابن لله وأنه ولد من عذراء وبالتالي فكل ما قيل هو مجرد قصص مختلق، وقليل جدا من الحقيقة المشوهة.

ولذلك اختلفت كتب المسيحيين المقدسة في كيفية ولادة يسوع، فكتاب متى يقول: لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس.(1:19)  ((لاحظ التناقض هنا: المسيحيون يعتقدون أن الأب (الله تنه عن ذلك) هو الأب ليسوع، لكنهم في نفس الوقت يقولن أن من أحدث الحمل لأم يسوع به هو الروح القدس! وفي هذه الحالة فيسوع ابن للروح القدس وليس للأب)).

أما كيف حدث الحمل فلم يذكره متى، وإنما ذكر قصصاً أسطورية بعيدة عن الواقع عن توقعات المجوس لولادته، على أنه ملك اليهود المنتظر وليس ابن الله الذي سيقتل من أجل خطايا الناس. يقول متى: ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية في ايام هيرودس الملك اذا مجوس من المشرق قد جاءوا الى أورشليم. قائلين اين هو المولود ملك اليهود. فاننا رأينا نجمه في المشرق واتينا لنسجد له.(متى: 1 : 1-2)  هذا الكلام بالفعل يظهر أن يسوع طالب ملك وليس رسول لله (سنتوسع في هذه النقطة لاحقا).

ويذكر متى أن يوسف وأم يسوع قد هربا بيسوع لمصر (بلاد النيل) وعاشا هناك عدد سنين، خوفاً من أن يقتله الحاكم الروماني هيرودس، وهذا لم يثبته الواقع ولم يسجله التاريخ على الإطلاق. وهذا نص ما جاء في كتاب متى: فقام واخذ الصبي وامه ليلا وانصرف الى مصر. وكان هناك الى وفاة هيرودس.لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل من مصر دعوت ابني.(متى: 2 :14-15)

ولا يذكر كتاب مرقس كيف حمل بيسوع ولا كيف ولد، بل إنه قال بأن يسوع ظهر فجأة في فلسطين قادماً من ناصرة الجليل: وفي تلك الايام جاء يسوع من ناصرة الجليل[3] واعتمد من يوحنا في الاردن.(مرقس:1:9) ولعل مرقس أصاب الحقيقة فيسوع لم يولد في فلسطين ولم يحضر إليها إلا وهو رجل بالغ كما سنرى لاحقاً.

وللتدليل على أن ما قيل عن كيف ولد يسوع وأين ولد ما هي سوى قصص مختلق تقتبس نصوصها من كتب العهد القديم (كتب اليهود) وتحاول أن تنسبها

ليسوع، ومن ذلك على سبيل المثال القول بأن يسوع ولد في بيت لحم، حيث يقول متى: فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع لانه يخلّص شعبه من خطاياهم. وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل. هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا.(متى: 1 : 21-23) وبطبيعة الحال كان اسمه يسوع ولم يسم بعمانوئيل، ولكن لا أحد من مؤرخي المسيحية يود أن يفطن لهذا الخطأ الظاهر.

وقد ذكر متى قصصاً خرافية صاحبت مولد يسوع ومنها أن المجوس الذين لا يؤمنون بالكتب السماوية قد جاؤا إلى أورشليم قائلين أين هو المولود ملك اليهود (لاحظ أنه لم يقل ابن الله المخلص) فإننا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له (مع أنهم عبدة نار لا يؤمنون بالديانات السماوية) فلما سمع هيرودس الملك (الروماني) اضطرب وجميع أورشليم معه. فجمع كل رؤساء الكهنة وكتبة الشعب وسألهم أين يولد المسيح (الملك اليهودي المنتظر). فقالوا له في بيت لحم اليهودية. لأنه هكذا مكتوب في الكتب (أي العهد القديم) وأنت يا بيت لحم أرض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا لإن منك يخرج مدبرٌ يرعى شعبي إسرائيل. (متى: الإصحاح الثاني: 1 –6) وبطبيعة الحال كل هذه الخرافات لم تحدث وكذبها الواقع والتاريخ، فلم يحدث أن قام هيرودس بقتل أطفال اليهود كما ذكر متى بعد ذلك خوفاً من ملك اليهود (يسوع) القادم لتأسيس مملكة يهودية مستقلة عن حكمه. ومن الواضح أن ما ذكر عن ولادة يسوع والحمل به ما هو إلا محاولة للربط بين النبؤات التي تقرأ في كتب العهد القديم وبين سيرة يسوع، أو معلومات عرفها كتبة العهد الجديد عن عيسى ابن مريم وحاولوا أن يقمصوها شخص يسوع. وهذا ما عرف عن بولس في كل كتاباته. وسوف نشير إلى بعض تلك النبؤات ونناقش مصداقيتها في فصل مستقل لاحقاً.

وتبقى حقيقة ثابتة مفادها انه لا أحد من مؤلفي الكتاب المقدس يعرف أين ولد يسوع يقيناً. بل وأين عاش قبل أن يأتي لفلسطين.

وعيسى ابن مريم ليس له إخوة أو أخوات في القرآن، بينما تقول كتب المسيحيين المقدسة أن يسوع له أربعة إخوة ذكور وعدد من الأخوات: أليس هذا

ابن النجار. أليست أمه تدعى مريم وإخوته يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا. (متى: 13: 54-55)

في القرآن، عيسى تكلم في المهد : وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ. (آل عمران:46)

بينما لم تذكر الكتب المسيحية المقدسة أي شيئ عن أن يسوع قد تكلم في المهد أو في صغره، بل إن كتاب لوقا نسب الكلام في المهد إلى يوحنا وليس ليسوع، لأن يوحنا كان قد مات عندما كتب كتاب لوقا، ولم يعد له ذكر بين الناس، وبالتالي فلن يكذبه أحد فيما نسبه عنه، يقول لوقا في الإصحاح الأول: وفي اليوم الثامن جاؤا ليختنوا الصبي (أي يوحنا) ……. وفي الحال انفتح فمه ولسانه وتكلم وبارك الله. (لوقا 1: 59 – 64).

عيسى في القرآن ولد في بلاد تنموا فيها نخيل التمر، وهي ذات المناخ الصحراوي : فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً. (مريم:23)

·وهو ما يعني بداهة أن عيسى لم يولد في بيت لحم الفلسطينية كما يقول المسيحيون، لأن بيت لحم مناخها صحراوي والنخيل ليست من أشجار البحر المتوسط.

عيسى ولد في مجتمع بني إسرائيل وقبل ظهور ما عرف باليهود الذين لم يكن لهم وجود زمن موسى وعيسى ولم يظهروا إلا فيما بعد. بينما ظهر يسوع في وقت كان اليهود لهم التأثير الأكبر ويسيطرون على الوظائف الدينية في إيليا، بينما من ينتسب لبني إسرائيل يحتلون منزلة أقل.

وإلى لقاء قادم بعون الله

________________________

عيسى مقابل يسوع، والنصرانية مقابل المسيحية 3

النصارى والحواريون مقابل المسيحيون وتلاميذ يسوع disciples

القرآن يذكر النصارى في السور المدنية ويخاطبهم ويدعوهم للدخول في الإسلام وسور أخرى تذكر أن كثير منهم أسلم: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُواْ

مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ(83) وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ(85) المائدة.

وهذا يعني أن هناك بقية باقية من النصارى كانوا يعيشون في يثرب عند هجرة الرسول. والنصارى هم إما متحدرون من موحدين آمنوا بعيسى وهم الحواريون الذين ذكرتهم عدة سور منها: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(52) آل عمران.

أو مشركين غالوا في عيسى. بعضهم اعتقد انه الله، وبعضهم اعتقد أنه إله مع الله وبعضهم قالوا إن الله وعيسى وأمه ثلاثة آلهة.

وكل أنواع النصارى كانوا قلة في يثرب وهم من تبقى من النصارى وقد انتهى أمرهم خلال الفتوح، فمن لم يدخل الإسلام ذاب في المجتمعات المسيحية. وعلى ما يبدوا لم يكن لهم وجود خارج يثرب. وقد بينا في عدة مواضيع وفي كتاب أحسن القصص أنهم قدموا ليثرب بعد أن اجتاحت ديارهم الأصلية في جنوب غرب جزيرة العرب جيوش أجنبية.

الحواريون

يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري الى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني اسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين امنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين{14} الصف.

الحواريون مجموعة من الناس هم من آمن مع عيسى من بين بني إسرائيل. والحَوْرُ في اللغة يعني العودة والرجوع من شيء إلى شيء. وعيسى ابن مريم جاء لإعادة وإرجاع بني إسرائيل للتوراة والحق. فعاد ناس وصفوا بالحواريين (العائدين التائبين) وبقي أغلب بني إسرائيل على ضلالهم. ولا يحدد القرآن عدد من رجعوا للحق (الحواريون).

بينما كان ليسوع تلاميذ تقول كتب المسيحيين أن عددهم (12) وقد ظن المفسرون أن الحديث في القرآن عن الحواريين هو حديثٌ عن أتباع يسوع. ولهذا، جعل المفسرون الحواري يعني التلميذ والتابع المخلص، وقام مؤلفو المعاجم فثبتوا هذا المعنى للحواري، وأصبح يعرف به.

المسيحيون

هم أتباع الديانة المسيحية التي تقوم على الإيمان بأن هناك ثلاثة آلهة، هم: الأب والإبن (يسوع) وإله ثالث مجهول الهوية يسمونه الروح القدس. وأن هذا الروح القدس قد اعتلى أم يسوع وتسبب بحملها بيسوع. ومع ذلك يعتبرون يسوع ابن للأب مع أن من تسبب بحمله هو الروح القدس. وكل من يؤمن بأن يسوع قتل على الصليب لفداء ذنوبه فهو في الجنة.

فالأب قتل ابنه الوحيد لكي يكون دمه فداء لذنوب خلقه الذين خلقهم وجعل المعصية تجري في دمائهم. وبدل أن يعدل جيناتهم اتصل الروح القدس بامرأة من البشر وحملت بولد منه عاش بينهم لفترة لكي يفهم مشاعر الناس الذين خلقهم، ثم تخلى عن ابنه بحيث تمكن منه الناس وصلبوه.

والمسيحيون والمسيحية لا ذكر لها في القرآن. بل إن القرآن عندنا يتحدث عن الراعي الرسمي للمسيحية في العالم (الرومان) كان يسميهم “الروم” ولا يطلق عليهم “مسيحيون”.

إذاً، النصارى لا علاقة لهم بالمسيحيين، والحواريون لا علاقة لهم بتلاميذ يسوع.

*** بعض النصارى كانوا يؤمنون بثلاثة آلهة والمسيحيون يؤمنون بثلاثة آلهة، لكن آلهة النصارى تختلف جذرياً عن آلهة المسيحيين. وهذا دليل قاطع على أنه لا علاقة للنصارى بالمسيحيين.

فالتثليث عند النصارى يتكون من (الله تنزه وتبارك) وعيسى وأمه.

بينما تثليث المسيحيين يتكون من الأب (الله تنزه وتبارك) ويسوع والروح القدس.

والروح القدس لا يعرفه النصارى كما أن المسيحيين لا يعتبرون أم يسوع ثالث ثلاثة وإن كان هناك فرقة مسيحية صغيرة يعبدون أم يسوع. وهذا الفرق يؤكد ان النصارى لا علاقة لهم بالمسيحيين. والنصارى لا يؤمنون أن الله قتل ابنه لفداء ذنوب البشر.

والروح القدس شخصية غامضة جدا ولا يعرف من اين أتى؟ فالله لم يخلقه حسب معتقدات المسيحيين. وهو (أي الروح القدس) من حملت منه أم يسوع فهو أبو يسوع. لكن يسوع ينسب لله وليس لوالده المفترض.

ولا يوجد مسيحي واحد يعتبر الروح القدس أخ لله (تبارك الله وتنزه). أو أنه خلق نفسه.

الكنيسة بكل أطيافها ومذاهبها لا تعرف الإجابة عن أصل هذا الإله (الروح القدس).

والقرآن لا يذكر الروح القدس بالتعريف أبداً، ولكن القرآن يذكر (روح القدس) كوصف وليس كاسم.

وإلى لقاء قادم بعون الله مع: كيف نسب ليسوع كثير مما كان لعيسى ابن مريم.

عيسى مقابل يسوع، والنصرانية مقابل المسيحية (4)

 يسوع

هو من بني إسرائيل قدم إلى فلسطين رجلاً وبدأ يدعو للثورة على الحكم الروماني ليؤسس مملكة إسرائيلية تعيد مجد مملكة داوود الغابرة. واختياره فلسطين لأنها كانت تضم أكبر جالية من بني إسرائيل في المنطقة (كما يقول الدكور الصليبي) الذي يعتبر أفضل كاتب مسيحي يستطيع تعريفنا بشخص يسوع باللغة العربية فهو أحد أشهر المختصين بدراسة التاريخ القديم واللغات السامية وألف عدة كتب تناولت الكتاب المقدس وأحدثت ردود فعل عالمية لا زال صداها يتردد، ومن هذه الكتب “البحث عن يسوع” الذي يناقش حقيقة يسوع من واقع نصوص الكتاب المقدس عند المسيحيين.

وخلاصة ما توصل إليه الصليبي حول شخصية يسوع الحقيقية ذكرها في آخر فصل من كتابه “البحث عن يسوع” ويحمل عنوان ” الواقع والصورة”  والذي يقول فيه:

أما بالنسبة ليسوع، فالذي تبين لنا عنه بوضوح هو الآتي:

كان يسوع ابن يوسف النجار المعروف بالناصري أميراً من بيت داوود، اقتدى بجد له اسمه زربابل، فحاول الوصول إلى الملك على إسرائيل، منفقاَ على مسعاه ما كان قد ورثه عن أبيه من مال. ومن الإسرائيليين في زمانه، من غير اليهود، من كان لا يزال ينتظر ظهور ” مسيح”  من بيت داوود يعيد الملك إلى الشعب الإسرائيلي في شتاته، فاعترف بيسوع على كونه ذلك المسيح، وهب لنصرته. لكن مطالبة يسوع بعرش إسرائيل – وهي التي حدثت في “اليهودية” بفلسطين في زمن الرومان – اصطدمت بمقاومة شديدة من المؤسسة الكهنوتية اليهودية، وهي المؤسسة ذاتها التي سبق لها أن تصدت لمسعى جد يسوع زربابل إلى الملك على إسرائيل قبل خمسة قرون تقريباَ، فأفشلته بطريقة أو بأخرى.

وحاول الكهنوت اليهودي أن يردع يسوع عن مسعاه في البداية عن طريق التهديد والوعيد، فلم يرتدع. وكانت نهاية الأمر أن قبض عليه، واقتيد أمام رئيس كهنة اليهود في أورشليم للمحاكمة على أساس ادعائه بأنه المسيح الداوودي المنتظر، وليس على أي اساس آخر. فحكم عليه بالموت، ثم سلم إلى السلطات الرومانية لتنفيذ هذا الحكم عليه صلباَ، وقد تم تنفيذ الصلب بيسوع فعلاً.

ويكون يسوع قد حضر لفلسطين وهو رجل في مقتبل العمر بهدف واضح هو أن يصبح ملكاً على اليهود الإسرائيليين. لذا فمكان ميلاده لم يكن معروفاً مؤلفي كتب المسيحيين المقدسة عندما كتبوها. وقد تتبع رجال الدين اليهود تحركاته وقبضوا عليه في الليلة التي قرر فيها قتل الحاكم الروماني وإعلان مملكته. وحكم عليه بالصلب بتهمة محاولة الثورة)) انتهى

وكتب المسيحيين مليئة بالشواهد على ذلك.

وسنتعرف في اللقاءات القادمة بعون الله على كيف تم الخلط بين النصارى والمسيحيين؟ و كيف تم الباس يسوع كثيراً مما كان يتمتع به عيسى ابن مريم؟

والسلام

عيسى مقابل يسوع، والنصرانية مقابل المسيحية (5)

شواهد من كتب المسيحيين المقدسة

ختمت الحلقة الماضية بالفقرة التالية: ((ويكون يسوع قد حضر لفلسطين وهو رجل في مقتبل العمر بهدف واضح هو أن يصبح ملكاً على اليهود الإسرائيليين. لذا فمكان ميلاده لم يكن معروفاً مؤلفي كتب المسيحيين المقدسة عندما كتبوها. وقد تتبع رجال الدين اليهود تحركاته وقبضوا عليه في الليلة التي قرر فيها قتل الحاكم الروماني وإعلان مملكته. وحكم عليه بالصلب بتهمة محاولة الثورة)).

 وكتب المسيحيين مليئة بالشواهد على ذلك)) انتهى الاقتباسز

واليوم وغداً سنورد بعض الشواهد من كتاب المسيحيين المقدس على ذلك، كما يلي:

يسوع من الناصرة (بلد خارج فلسطين)

يقول كتاب متى في الإصحاح (21): ولما دخل اورشليم ارتجّت المدينة كلها قائلة من هذا.11 فقالت الجموع هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل.12

فالناس لا يعرفونه وتساءلوا من أين أتى فقيل جاء من ناصرة الجليل. والناصرة في فلسطين لم تكن موجودة في عصر يسوع كما يؤكد المؤخون ويقولن أنها لم توجد إلا بعد (300) سنة بعد يسوع. يعني سميت على اسم الناصرة الأصلية.

يسوع لغته الأصلية تختلف عن اللغة التي يتكلم بها بنو إسرائيل واليهود في فلسطين مما يعني أنه غريب

وكل المختصين بدراسة تاريخ الكتاب المقدس يعلمون أن يسوع كانت لغته الأم هي لغة تختلف عن اللغة التي كان سكان فلسطين في ذلك الوقت يتحدثون بها، بما فيهم اليهود وبني إسرائيل.

وكتاب مرقس يؤكد لنا هذه الحقيقة، حيث يقول أنه عندما تعاظم على يسوع الألم وهو مصلوب، وقبيل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، صرخ بلغته الأصلية بعبارات لم يفهمها من كان يسمعه من يهود فلسطين المتحلقين حول الصليب. وهذا نص ما جاء في كتاب مرقس: “وفي الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا إلوي إلوي لما شبقتني. الذي تفسيره الهي الهي لما تركتني. فقال قوم من الحاضرين لما سمعوا هوذا ينادي ايليا. فركض واحد وملأ اسفنجة خلا وجعلها على قصبة وسقاه قائلا اتركوه لنرى هل يأتي ايليا لينزله. فصرخ يسوع بصوت عظيم واسلم الروح.” (مرقس: 15 : 34 – 37)

وهذا يظهر أن اليهود الموجودين في فلسطين زمن صلب يسوع لم يكونوا يتكلمون نفس لغة يسوع الأم التي نطق بها من شدة الألم، وظنوا أنه يستغيث بشخص اسمه إيليا.

وقد أورد متى نفس هذه الشهادة في الإصحاح (46 بدءً من الفقرة 27) وهو ما يعني أن يسوع جاء إلى فلسطين، كغريب، ولم يولد فيها أو يعيش فيها مدة طويلة بما يكفي لنسيان لغته الأصلية.

يسوع من نسل داوود

 كما ذكر كتاب متى في أول إصحاح:1-17 ومن ذلك: يسوع ابن يوسف النجار ابن يعقوب ابن متان ابن اليعازر ابن أخيم ابن أليود ابن صادوق ابن عازور ابن ألياقيم ابن أبيهود ابن زربابل ….. إلى أن نصل إلى أبيا ابن رحبعام ابن سليمان ابن داوود. وكما ذكر لوقا في الإصحاح الثالث: 23-28.

ليس هذا فحسب بل إن الناس المعاصرين ليسوع في فلسطين يعرفون أنه من نسل داوود لأن أبيه يوسف النجار ينحدر من نسل داوود، وهذا ما ورد في كتاب متى الإصحاح (20) : ((وفيما هم خارجون من اريحا تبعه جمع كثير. 30 واذا اعميان جالسان على الطريق.فلما سمعا ان يسوع مجتاز صرخا قائلين ارحمنا يا سيد يا ابن داود.31 فانتهرهما الجمع ليسكتا فكانا يصرخان اكثر قائلين ارحمنا يا سيد يا ابن داود)).

 الفريسيون ضد قيام دولة لبني إسرائيل

الفريسيون لا يرغبون في أن تقوم مملكة لبني إسرائيل فحاولوا توريط يسوع بكلمة أمام رجال من الحكومة لكي يقبض عليه ، لكن يسوع فطن لمخططهم وفوت الفرصة عليهم في إحدى المرات كما ورد في كتاب متى في الإصحاح (22): حينئذ ذهب الفريسيون وتشاوروا لكي يصطادوه بكلمة.16 فارسلوا اليه تلاميذهم مع الهيرودسيين قائلين يا معلّم نعلم انك صادق وتعلّم طريق الله بالحق ولا تبالي باحد لانك لا تنظر الى وجوه الناس.17 فقل لنا ماذا تظن.أيجوز ان تعطى جزية لقيصر ام لا.18 فعلم يسوع خبثهم وقال لماذا تجربونني يا مراؤون.19 أروني معاملة الجزية.فقدموا له دينارا.20 فقال لهم لمن هذه الصورة والكتابة.21 قالوا له لقيصر.فقال لهم اعطوا اذا ما لقيصر لقيصر وما للّه للّه.

(((الهيروديسيون يعني رجال هيرودس الحاكم يعني رجال الحكومة يعني مباحث)))

وسنكمل الشواهد غداً بعون الله

عيسى مقابل يسوع، والنصرانية مقابل المسيحية (6)

ستمرار لحديثنا بالأمس ننقل شواهد أخرى من كتاب المسيحيين المقدس عن يسوع

يسوع كان متزوجاً

جاء في كتاب يوحنا ، الإصحاح الثاني من الفقرة الأولى إلى العاشرة، ما يلي:

وفي اليوم الثالث كان عرس في قانا الجليل وكانت ام يسوع هناك. ودعي ايضا يسوع وتلاميذه الى العرس. ولما فرغت الخمر قالت ام يسوع له: ليس لهم خمر. قال لها يسوع: ما لي ولك يا امرأة، لم تأت ساعتي بعد. قالت امه للخدام: مهما قال لكم فافعلوه. وكانت ستة اجران من حجارة موضوعة هناك حسب تطهير اليهود يسع كل واحد مطرين او ثلاثة. قال لهم يسوع: املأوا الاجران ماء، فملأوها الى فوق. ثم قال لهم: استقوا الآن وقدموا الى رئيس المتكأ. فقدموا. فلما ذاق رئيس المتكأ الماء المتحول خمرا ولم يكن يعلم من اين هي. لكن الخدام الذين كانوا قد استقوا الماء علموا. دعا رئيس المتكأ العريس، وقال له: كل انسان انما يضع الخمر الجيدة اولا ومتى سكروا فحينئذ الدون. اما انت فقد ابقيت الخمر الجيدة الى الآن. إنتهى

والآن تعالوا نراجع ما قرأنا:

تقول الفقرة الأولى: أنه كان هناك حفل زفاف أقيم في قانا الخليل. وكانت ام يسوع هناك.

ودعي ايضا يسوع وتلاميذه الى العرس.

ولو وضعنا بالحسبان أن الترجمة غير دقيقة ولغتها ضعيفة أو أن النص قد عدل، فالاحتمال أن كلمة “دُعي” المبنية للمجهول هي الفعل الماضي ” دَعَى”، ليكون النص أصلاً بهذا الشكل: “ودعى أيضاً يسوع تلاميذه إلى العرس.”

ويكون يسوع هو من دعى التلاميذ للعرس.

وهذا ليس تأويلاً للنص نؤوله من عند أنفسنا، ولكن فقرات النص اللاحقة تؤكده، كما سنرى.

الفقرة الثالثة تقول بأنه لما فرغت الخمر هرولت أم يسوع قاصدة يسوع لتبلغه بنفاذ المشروب وأن عليه أن يتصرف بسرعة منعاً للحرج.

ولو كان يسوع وأمه من ضمن الضيوف المدعوين فليس من مسئوليتهما الحرص على تأمين الشراب للحفل، وليس مطلوباً منهما إنقاذ المضيف إذا هو لم يحرك ساكناً لإنقاذ ما واجهه من حرج أمام ضيوفه.

(الفقرة 4) من الواضح أن النص قد تم العبث به، لأن إجابة يسوع لأمه عندما أبلغته بنفاذ الخمر، تبدوا لا علاقة لها بتساؤل أمه. إذ ليس الجواب المنتظر أن يقول: ” ما لي ولك يا امرأة. لم تأت ساعتي بعد.” ولكن من المناسب أن يجيب بأنه لا علاقة له بالموضوع إن لم يكن هو المسئول عن خدمة المدعوين.

أو أن يكون مسئولاً فعلاً عن حفل الزفاف، ويبلغها بأنه سيعمل ما في وسعه لتأمين المزيد من الخمر، وهو ما قام به فعلاً.

حيث نقرأ أنه قد أحضر للمدعوين خمراً جيدة بشهادة رئيس المتكأ، وبطبيعة الحال لم يكن ماءً حوله يسوع لخمر، بل كان خمراً جيداً بالفعل استطاع يسوع تأمينه. لكن النص الأصلي حور وتم تغييره ليبدوا وكأن هناك معجزة حسية قام بها يسوع، تتمثل بتحويل الماء خمراً معتق.

في المقطع الخامس، أم يسوع تؤكد على الخدم أن ينفذوا كل ما يطلبه منهم يسوع. ولو كانت ليست في موقع المسئولية في هذا العرس، ولو لم يكن يسوع كذلك، فلا داعي لأن تطلب من خدم يعملون في عرس ليس لها به صلة، ومدعوة هي وابنها إليه كضيوف، أن ينفذوا أوامر يسوع ويتركون مهامهم المطلوبة منهم. لكن لو أن يسوع هو العريس فعلى الخدم تنفيذ أوامره لإدارة حفل الزفاف.

الفقرات 6- 8 تصور تحويل يسوع الماء إلى خمر وليس بالضرورة هذا ما حدث، بل هو من صنع خيال الكاتب أو المحرر.

الفقرتان التاسعة والعاشرة هامّتان جداً لأنهما تقولان بالحرف الواحد: “ودعا رئيس المتكأ العريس. وقال له. كل انسان انما يضع الخمر الجيدة اولا ومتى سكروا فحينئذ الدون. اما انت فقد ابقيت الخمر الجيدة الى الآن.”

وهو تصريح، وأكرر، تصريحٌ وليس تلميحٌ بأن يسوع هو العريس (ودعا رئيس المتكأ العريس).

فقد كان رئيس المتكأ يوجه كلامه للشخص الذي جلب الخمر الجيدة، والذي وفر الخمر هو يسوع، وهو من دعاه رئيس المتكأ بالعريس، لأنه هو العريس فعلاً.

ووصف يسوع بالعريس عبارة لم يفطن لها كل من عدل وبدل في كتب المسيحيين المقدسة وبقيت كما هي في كتاب يوحنا أحد الكتب الأربعة التي عترفت بها الكنيسة، كممثل شرعي للديانة المقدسة، ومع ذلك فهو يقول بكل وضوح: أن يسوع كان هو (العريس) وهو كعريس دعى تلاميذه لحضور حفل زفافه، وهو وأمه كانا المسئولين عن تأمين احتياجات حفل العرس.

وهذا النص موجود في الترجمات العربية والإنجليزية المتداولة، وبالتأكيد في الترجمات الأخرى لكل اللغات.

وإلى لقاء الغد مع المزيد بعون الله.

عيسى مقابل يسوع، والنصرانية مقابل المسيحية (7)

اليوم ننقل شواهد أخرى من كتاب المسيحيين المقدس عن يسوع، وتحديداً من كتاب متى الإصحاح (26).

يسوع يختار عيد الفصح لثورته فيذهب لأورشليم مع (12) من أتباعه

يظهر هذا الإصحاح أن يسوع قد احتفل بعيد الفصح مع النخبة من أتباعه (عددهم 12) الذين اختارهم ليصحبوه في مهمته الخاصة والحاسمة لإعلان مملكته بعد قتل الحاكم الروماني. حيث احتفل عند رجل من أنصاره في المدينة (أورشليم) مقر إقامة الحاكم الروماني: فقال (يسوع) اذهبوا الى المدينة الى فلان وقولوا له: المعلم يقول ان وقتي قريب. عندك اصنع الفصح مع تلاميذي. ففعل التلاميذ كما امرهم يسوع واعدوا الفصح. ولما كان المساء اتكأ مع الاثني عشر. (26: 19-21).

العشاء الأخير تحضير لإعلان دولة يسوع

وفي هذا الإصحاح وصف لما عرف بالعشاء الأخير عند المسيحيين، وهو في الحقيقة، ليلة التخطيط للتسلل لقصر الحاكم وقتله وإعلان مملكة بني إسرائيل. وكان ذلك في بيت ذلك الرجل الذي استضافهم لعيد الفصح، ويبدوا أن يسوع قرر أن يكون الاحتفال بعيد الفصح مناسبة لإعلان مملكته بعد قتل الحاكم. ولذلك كان ذلك الاجتماع في أورشليم وقرب قصر الحكم من أجل وضع اللمسات الأخيرة على خطة الهجوم المفترضة تلك الليلة:

وفيما هم يأكلون اخذ يسوع الخبز وبارك وكسر واعطى التلاميذ وقال خذوا كلوا، هذا هو جسدي. واخذ الكاس وشكر واعطاهم قائلا اشربوا منها كلكم. لان هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من اجل كثيرين لمغفرة الخطايا. واقول لكم اني من الآن لا اشرب من نتاج الكرمة هذا الى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديدا في ملكوت ابي. ثم سبحوا وخرجوا الى جبل الزيتون (26: 26-30).

وهذه الكلمات تصف كيف أعلن يسوع أن ساعة الصفر لقيام ملك إسرائيل قد حانت، وأن الجميع عليهم الاستعداد لأسوأ الاحتمالات، وقال لهم يسوع إنه مستعد للتضحية بجسده ودمه في سبيل ذلك، وعليهم أن يكونوا مستعدين بالتضحية كذلك. وقال بأنه سيحرم شرب النبيذ حتى يتحقق له النصر ويصبح ملكاَ في مملكة اسرائيل الربانية. ثم خرجوا لجبل الزيتون تحت جنح ظلام تلك الليلة لبدء المرحلة العسكرية.

وعلى جبل الزيتون أوضح يسوع لتابعيه أن الخطة تتمثل بالتسلل وقتل الملك الحالي لضمان تبدد عسكره، وتمثل بمثل معروف لديه يقول: لأنه مكتوب أني أضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية.(الفقرة:31)

وتدل الفقرة على أن يسوع هو من سيتسلل ليقتل الملك، ثم وفي فقرة لاحقة يقول: ولكن بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل.(الفقرة:32) أي أن يسوع يقول وبعد أن أقتل الملك وأصبح ملكاَ (قيامي) سأذهب إلى الجليل للقاء الأتباع والمؤيدين.

وقد عاهده بطرس على ألا يتخلى عنه بقوله: إن شك فيك (تخلى عنك) الجميع فأنا لا أشك أبداَ (لا أتخلى).

(الفقرة: 33) ولكن يسوع راوده بعض الريبة في صدق بطرس، قائلاَ: إنك في هذه الليلة قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات، فأكد له بطرس: ولو اضطررت أن أموت معك لن أنكرك أبداَ، وهكذا قال أيضاَ جميع التلاميذ.(الفقرتان: 34-35)

ومع اقتراب يسوع ومن معه من قصر الحكم استمر يسوع في الاستعداد للتسلل وقتل الملك، حيث أمر تلاميذه بالجلوس بينما ذهب هو وتضرع طلباً للعون من الله: حينئذ جاء معهم يسوع الى ضيعة يقال لها جثسيماني فقال للتلاميذ اجلسوا ههنا حتى امضي واصلّي هناك.(الفقرة:36)

وقد اختار ثلاثة من بين أتباعه الإثناعشر وانفرد بهم ولعله يكلفهم بمهام يريد أن تكون سرية حتى عن بقية الرجال: ثم اخذ معه بطرس وابني زبدي وابتدأ يحزن ويكتئب (الفقرة:37).

ولم يأخذهم وينفرد بهم لكي يراقبوه وهو يدعوا كما تقول العبارة.

وفي الفقرة التالية يقول يسوع مخاطباً أتباعه: نفسي حزينة جداَ حتى الموت. أمكثوا معي ههنا واسهروا معي.

(الفقرة:28) لقد كان قلقاَ جداَ حتى الموت وحتى لا ينهار، طلب من أتباعه أن يسهروا معه ويشدوا من عضده ويرفعوا من معنوياته، قبل أن تحين لحظة الصفر التي حددها هو للتسلل وقتل الملك.

وطلبه منهم البقاء معه يظهر أنه لا يثق بهم ولا ببقائهم معه.

ولكي يشعر بشيء من القوة اتجه للدعاء والطلب من الله أن يهون عليه مهمته ويقوي قلبه: ثم تقدم قليلاَ وخر على وجهه وكان يصلي قائلاَ يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس. (أي ساعدني على تجاوز هذه المحنة) ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت (وقد رضيت بما قدرت علي). (الفقرة:39)

ويصاب بالإحباط عندما يجد أتباعه وقد غلبهم النوم أثناء قنوته: فقال لبطرس أهكذا ما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة. (الفقرة:40).

ويحاول حثهم على الدعاء والتضرع لكي يحميهم الله، لكن التفاعل ضعيف: اسهروا وصلّوا لئلا تدخلوا في تجربة. اما الروح فنشيط واما الجسد فضعيف (الفقرة: 42).

ويعاود يسوع التضرع مرة أخرى ومرات: فمضى ايضا ثانية وصلّى قائلا يا ابتاه ان لم يمكن ان تعبر عني هذه الكاس الا ان اشربها فلتكن مشيئتك (43)

مرة أخرى وثالثة وبنفس التضرع لله بأن يعينه ويحميه.

والكأس التي يتخوف من شربها هي كأس المنون لو قبض عليه قبل أن يتمكن من قتل الملك وإعلان مملكته.

ولكن أتباعه كانوا غير متحمسين: ثم جاء فوجدهم ايضا نياما. اذ كانت اعينهم ثقيلة. فتركهم ومضى ايضا وصلّى ثالثة قائلا ذلك الكلام بعينه (الفقرة:44).

ثم يأمر يسوع أتباعه بالقيام للتوجه لقصر الملك: قوموا ننطلق.(الفقرة:46)

القبض على يسوع

وفي تلك اللحظة ظهرت جموع فرآهم يسوع وعرف أنهم قد اكتشفوا أمره نتيجة لخيانة أحد أتباعه والإبلاغ عنه:

هوذا الساعة قد اقتربت وابن الانسان يسلم الى ايدي الخطاة. قوموا ننطلق.هوذا الذي يسلمني قد اقترب. وفيما هو يتكلم اذا يهوذا واحد من الاثني عشر قد جاء ومعه جمع كثير بسيوف وعصي من عند رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب. والذي اسلمه اعطاهم علامة قائلا الذي اقبّله هو هو.امسكوه.

فللوقت تقدم الى يسوع وقال السلام يا سيدي.وقبّله. فقال له يسوع يا صاحب لماذا جئت.حينئذ تقدموا والقوا الايادي على يسوع وامسكوه (الفقرات: 45-50).

لقد عرف يسوع أنه قد أحيط به وسيسلم للأيدي الخطاة (وصفه لرجال الدين اليهود الذين قدموا لإلقاء القبض عليه).

وقد حاول يسوع أن يهرب مع رجاله وهو ما يظهره قوله: ” قوموا ننطلق” لكنه لم يتمكن فقد احاط بهم جمع من الكهنة ورؤساء الشعب، وهم من كانوا يودون أن يمسكوا به منذ حضر للهيكل في السابق، ولكن منعهم من ذلك في تلك المرة أنه حضر معه جموع غفيرة. .

ويسوع واتباعه كانوا مسلحين استعدادا لقتل الملك وحراسه وهو ما يظهر ما ورد في الفقرة (50) التي تقول: واذا واحد من الذين مع يسوع مدّ يده واستل سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع اذنه.

ويسوع أمر الرجل برد السيف لأنه لو حاولوا الدفاع لقتلوا لأن المهاجمين أكثر منهم بكثير.

وقد هرب أتباعه: حينئذ تركه التلاميذ كلهم وهربوا(56)

أما كيف عرف هؤلاء الكهنة بوجود يسوع مع نفر قليل من أتباعه في هذا المكان وفي تلك الساعة المتأخرة من الليل فيبدوا أنهم كانوا يتجسسون عليه ويرصدون أخباره وحركاته. وعلى ما يبدوا أن أحد أتباع يسوع وسامه يهوذا هو من وشى به.

وقد سلبوه سلاحه واقتادوه إلى رئيس الكهنة للتجقيق معه حول زعمه أنه المسيح (أي ملك الإسرائليين الذي يدهن رأسه تعهداً بخدمة الدين) فالمسيح لقب يهودي للملك الذي ينذر نفسه ليكون خادما للدين واليهود يؤمنون بأن هناك مسيح سيأتي ليقيم لهم مملكة مستقلة.

وأثناء التحقيق سأله رئيس الكهنة: أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله.(الفقرة:63)

(ابن الله هنا تعني التقوى وليس ابن فعلي لأن ابن الله تأتي في كتب اليهود بهذا المعنى)

قال يسوع أنت قلت.(الفقرة: 64) (أي ها أنت إعترفت لي بذلك) وهو بهذا لم ينكر ذلك بل إعترف بأنه هو المسيح الذي يسعى لحكم إسرائيلي.

فمزق رئيس الكهنة ثيابه قائلاَ قد جدف (أو لعلها اعترف وليس جدف) ما حاجتنا بعد لشهود ها قد سمعتم تجديفه (اعترافه). ماذا تريدون. فأجابوا وقالوا إنه مستوجب الموت.(الفقرات: 65-66)

وهكذا قرر الكهنة أن يسوع  يستحق أن يسلم للحكومة ليحاكم لأنه جاء ليكون ملكاَ على إسرائيل، وهم كهنة يهود من غير نسل بني إسرائيل ولا يرغبون بأن يتولى عليهم الملك أحد من نسل إسرائيل، ولذلك يجب تسليمه للحكومة بتهمة التخطيط للثورة. وبدأوا يستهزؤون به ويبصقون في وجهه ويقولون: تنبأ لنا أيها المسيح من ضربك.(الفقرة:68)

بحكم أن ملك اليهود يكون من الأخيار القريبين من الله والقادرين على معرفة مالا يعرفه الشخص العادي ككرامات.

وبقيت المحاكمة السياسية بتهمة محاولة الثورة وهو ما سنتحدث عنه غداً بعون الله

.

عيسى مقابل يسوع، والنصرانية مقابل المسيحية (8)

استمرار لعرض حقيقة يسوع وما حدث له من كتاب المسيحيين المقدس، نورد ما جاء في كتاب متى الإصحاح (27).

وكنا قد تركنا يسوع بين أيدي رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب بعد أن ألقوا القبض عليه في الليلة السابقة قبيل محاولته قتل الحاكم الروماني وإعلان مملكته، وقد هرب تلاميذه.

وهذا الإصحاح (27) يخبرنا بما حدث صباح اليوم التالي:

تسليم يسوع إلى بيلاطس البنطي

ولما كان الصباح تشاور جميع رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب على يسوع حتى يقتلوه. فاوثقوه ومضوا به ودفعوه الى بيلاطس البنطي الوالي. (الفقرة:1)

وتشاورا على يسوع ليقتلوه قد تكون العبارة الصحيحة واتفقوا على تسليمه للحاكم ليحاكم بتهمة محاولة القيام بثورة ويقتل.

محاكمة يسوع

فوقف يسوع امام الوالي فسأله الوالي قائلا أانت ملك اليهود.فقال له يسوع انت تقول.(الفقرة:11)

لقد كانت تهمة محاولة الحصول على الملك هي التهمة الموجهة ليسوع ولا شيئ غير ذلك.

وبينما كان رؤساء الكهنة والشيوخ يشتكون عليه لم يجب بشيء. (يشتكون عليه أي يشهدون عليه) فقال له بيلاطس أما تسمع كم يشهدون عليك. (أي لماذا لا تدافع عن نفسك وتقول بأنهم يكذبون) فلم يجبه ولا عن كلمة واحدة حتى تعجب الوالي جدا. (الفقرات: 11-14) ويسوع لم يجب لأنه فعلاً كان يطمع بالحصول على الملك.

الفقرات: 15-25 تتحدث عن أن الوالي كان معتادا على أن يطلق سجيناً وسأل رؤساء الكهنة إن كانوا يودون منه إطلاق سراح يسوع فأبوا. وهو كلام لا يمكن أن يكون قد حدث، لأن يسوع متهم بمحاولة الانقلاب وهي من التهم الكبرى التي لا تهاون فيها. وتظهر الفقرات أن الوالي لم يكن يريد صلب يسوع لكن رؤساء الكهنة أصروا على صلبه. وكأن الوالي صلبه تنفيذاً لرغبتهم، وهذا أيضاً لا يمكن ان يكون حدث، لأنه هو الوالي وهم مجرد رجال دين يدينون بباليهودية وهي دين لا يؤمن به الوالي ويعيشون تحت حكمه ويأتمرون بقوانينه.

وتظهر الفقرة (26) أن الوالي حكم على يسوع: وأخيراَ جلد الوالي يسوع وأسلمه ليصلب.

تنفيذ الحكم

فأخذ عسكر الوالي يسوع إلى دار الولاية وجمعوا عليه كل الكتيبة. فعروه وألبسوه رداءَ قرمزياَ. وضفروا إكليلاَ (تاج) من شوك ووضعوه على رأسه (سخرية منه كملك) وقصبة في يمينه (عصا يمسكها الملك). وكانوا يجثون قدامه ويستهزئون به قائلين السلام على ملك اليهود.

وبصقوا عليه وأخذوا القصبة ضربوه على رأسه. وبعدما استهزأوا به ونزعوا عنه الرداء وألبسوه ثيابه ومضوا به للصلب.(الفقرات: 27-31)

وقد وضعوا فوق رأسه لوحة مكتوب عليها هذا هو يسوع ملك اليهود.(الفقرة:37)

واستمر الناس والكهنة ورجال الدين اليهود يستهزئون به ويسخرون منه وهو مصلوب، ومما قالوه: إن كان ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به. إذا كان قد اتكل على الله فلينقذه الآن إن كان قد جاء بإرادة الله. (الفقرتان:43-44)

وبعد وقت من صلبه سمعه الناس وهو يتحدث بلغته الأصلية التي ليست لغة يهود فلسطين، قائلاَ: إيلي إيلي لما شبقتني. أي إلهي إلهي لم تركتني.(الفقرة:46) (وهذا دليل واضح على أنه قدم من مكان غير فلسطين ولم يولد أو ينشأ هناك، وكل المدة التي بقي فيها في فلسطين لم تتجاوز ثلاث سنوات حسب تقديرات علماء تاريخ كتاب المسيحيين المقدس)

ولذلك لم يفهم الناس الموجودين حول الصليب ماذا قال، وظنوه ينادي إيليا (احد الأوليا الصالحين القدامى من بني إسرائيل): فقوم من الواقفين هناك لما سمعوا قالوا إنه ينادي إيليا. وللوقت ركض واحد منهم وأخذ اسفنجة وملآها خلاَ وجعلها على قصبة وسقاه. وأما الباقين فقالوا أتركه لنرى هل يأتي إيليا ليخلصه. فصرخ يسوع بصوت عظيم وأسلم الروح.(الفقرات:47-50)

بعد ذلك يروي الكاتب أن زلزلة وظواهر غير طبيعية حدثت بسبب موته، وهو خيال من نسج الكاتب نفسه ليصور عظم المأساة التي حدثت.

ويذكر الكاتب أن من بين من كان يراقب صلب يسوع بعض النسوة ومنهن مريم المجدلية (زوجته) ومريم أم يعقوب ويوسي وأم ابني زبدي، ولم يذكر أن ام يسوع معهم، لعله تعمد ذلك حتى لا يذكر إسمها الذي لم يكن مريم، أو لعل الكاتب الأصلي قد ذكر اسم أم يسوع، فتم حذفه لاحقاَ لأنه لم يكن مريم.

أما بقية الإصحاح فيتحدث عن أن قبر يسوع قد أحيط بحرس، بناءَ على طلب اليهود من بيلاطس أن يضع عليه حرس حتى لا يسرقه أتباعه.

وهكذا تم القبض على يسوع قبيل تنفيذه لمخططه بقتل الوالي الروماني وإعلان مملكته لبني إسرائيل، وقد حكم عليه وصلب ومات.

وإلى لقاء الغد بعون الله.

عيسى مقابل يسوع، والنصرانية مقابل المسيحية (9)

أنهينا في الحلقة السابقة الحديث عن يسوع بقتله على الصليب، وسنعود للحديث عن كيف ألبس يسوع الكثير مما تمتع به عيسى وكيف ولدت المسيحية في حلقات قادمة. أما اليوم فالحديث سيكون عن:

عيسى ابن مريم

القرآن يتحدث عن عيسى ابن مريم وعن النصارى ولا يتحدث عن يسوع ولا المسيحية، وذلك أن عيسى كان رسولاً لبني إسرائيل وبقية منهم كانوا يعيشون في يثرب زمن رسول الله، ولكي يبرهن القرآن على أن محمداً رسول الله ذكر تفاصيل كثيرة عن تاريخهم ورسلهم وأشخاص يعرفون. وتحدث القرآن عن النصارى وخاطبهم لأن لهم بقية في يثرب في عصر رسول الله، وذكرهم القرآن بتاريخهم وفرقهم التي ظهرت بعد عيسى وغالت فيه.

ولم يتحدث القرآن عن يسوع لأنه لا علاقة له بتاريخ بني إسرائيل ولا بتاريخ النصارى، وكل الأحداث والأشخاص الذين ليس لهم علاقة بالمخاطب في القرآن لم يتحدث عنهم القرآن. لذا لم يتحدث القرآن عن ممالك اليمن إلا عن أبرهة لأنه له علاقة بمكة وأهلها. ولم يتحدث القرآن عن ممالك العراق العظيمة ولا عن بلاد النيل وحضارتها الغير عادية، ولم يتحدث عن بلاد الشام وعراقتها، إلا أنه تحدث عن الروم (حماة المسيحية) لأنهم ابتدروا حرب المسلمين في الأحزاب وهزموا جيش مؤتة الذي تحدثت عنه سورة الروم. لكنه لم يسمهم المسيحيون لأن هذه التسمية لا علاقة لها بالمسيح الحقيقي عيسى ابن مريم، وإنما هم من تسموا بها. ولو تسمى المجوس بعباد الله وحدثت بينهم وبين المسلمين حادثة تستحق أن يذكرها القرآن فلن يسميهم عباد الله ولكن سيسميهم إما بجنس ملوكهم كما الروم أو بتسمية ملائمة أخرى.

واليوم سنرى بعض ما يقول القرآن عن عيسى ابن مريم باختصار مع بعض الاستنتاجات.

مولده

ولد عيسى في زمن لازالت القدرات الخارقة منتشرة في المجتمع، استمراراً لعصر موسى وما قبله. لذا جاء الحمل بعيسى وولادته بطريقة خارقة للعادة، كأكثر الطرق إقناعاً لهم بأنه رسول لله، لعلهم يؤمنون بما يدعوا له من العودة للدين وتصحيح ما دخله من معتقدات وتفاسير ونصوص باطلة.

فهو قد ولد بلا أب وتكلم معهم كرسول وهو في المهد، ومع ذلك يخبرهم عن نصوص التوراة وكأنه كان مع موسى عندما تلقاها من ربه: {إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ{45} وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ{46} قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ{47} وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ{48} وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ…. {49} آل عمران.

أم عيسى

هي مريم ابنة عمران، واحد من الرجال الصالحين أمام الله، الذين اصطفاهم لتكون في ذريتهم الرسالة: {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ

عَلَى الْعَالَمِينَ{33} آل عمران.

وإبراهيم كان من ذريته أبناء ورسل مثل إسماعيل وإسحاق ويعقوب، وعمران أحد أحفاد إبراهيم، كونه من بني إسرائيل. والقرآن يؤكد أن عمران هو والد مريم أم عيسى: {وَمَرْيَمَ ابنة عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ{21} التحريم.

وهناك آية تقول إن مريم، أم عيسى، هي أخت هارون: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً{28} مريم.

لكن هل هارون مريم هو أخو موسى الذي أرسل معه لفرعون؟: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ{75} يونس.

أم أن هناك هارون آخر غير هارون موسى؟

وأم عيسى كفلها زكريا، وهو ما يشير إلى أن والديها فارقا الحياة، ولم يكن لها إخوة أحياء عند ولادتها. كما أنها نشأت في رعاية زكريا وكفالته بعد غرق فرعون، وعودة موسى وبني إسرائيل لمصر. واحتمال أن مريم ولدت عندما كان موسى على قيد الحياة، ولما حبلت بعيسى كان موسى قد توفي. (لاشيء مؤكد)

وعيسى لم يرسل بكتاب كما أرسل موسى أو محمد، لأنه لا يحتاج لكتاب. وإنما أوتي البينات، التي ولد وهو يعرفها: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ{87} البقرة.

أليست البينات هي القدرة على بيان نصوص التوراة: {وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ{63} الزخرف.

ومن أكثر ما اختلفوا فيه تحريم الحلال أو تحليل الحرام، فجاء عيسى ليبين لهم الحلال والحرام كما في التوراة، التي يبدوا أنه قد ضاع قسم منها في ذلك الوقت: {وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ{50} آل عمران.

الحمل بعيسى

قصة الحمل بعيسى بسيطة لكنها غير عادية، تخبرنا عنها سورة مريم. فقد بدأت بخروج مريم للخلاء إلى الشرق من مزارع مصر: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً{16}.

وبمجرد ما توارت عن الأنظار ظهر لها مخلوق من مخلوقات الله، بهيئة بشرية: {فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً{17}.

فخافت أن يكون شخص تعقبها في هذا المكان المتقي المستور عن الأنظار، لكي يفعل بها الفاحشة: {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً{18}.

وتقياً لوصف المخلوق، حسب ظن مريم، بأنه كان يحاول أن يتقي ويتخفى لها في مكان منعزل. فطمأنها وأخبرها من يكون: {قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً{19} قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً{20} قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً{21}.

وخلال لحظات شعرت مريم بالحمل، واقتراب الولادة، فحاولت البحث عن مكان بعيد عن أعين الناس قدر ما يسمح به وقتها: {فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً{22}.

وخلال لحظات أخرى فاجأها المخاض، فاستندت لجذع نخلة من النخيل المنتشرة حولها، وعندما أيقنت أنها ستلد، تخيلت ردة فعل قومها، وتمنت لو أنها ماتت قبل ذلك أو لم تخلق أبداً: {فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً{23} فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً{24} وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً{25} فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً{26} فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً{27} يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً{28} فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً{29} قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً{30} وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً{31} وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً{32}

والنخل من أشهر الأشجار المثمرة في قرية مصر كما ورد على لسان فرعون وهو يتوعد السحرة بعد إيمانهم: {قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى{71} طه.

وسواءً كان هارون موسى أخ لمريم أم لا، فإن عيسى ولد في فترة تلت وجود موسى مباشرة، فهما من عصر واحد، حتى أن اسميهما متشابهين في الوزن والإيقاع. والأسماء لها دلالات هامة في تحديد المكان والزمان. فمن الملاحظ انتشار أسماء معينة في منطقة دون المناطق الأخرى، حتى في هذا الوقت الذي اختلطت فيه التسميات. ولو أخذنا جزيرة العرب حالياً، فسنلاحظ أن هناك أسماء منتشرة وشائعة في مكة وجدة والمدينة، تختلف عن تلك المنتشرة شمال الجزيرة، أو جنوبها. وأسماء تنتشر في الوسط غير التي تنتشر في الشرق. وأسماء تنتشر في البادية لا وجود لمثلها في الحواضر، والعكس. كما أن ما كان منتشراً في مكة من أسماء زمن الرسول، على سبيل المثال، أصبحت غير معروفة في أزمنة لاحقة، وحلت محلها أسماء مختلفة.

وفي مصر زمن فرعون وموسى، كانت الأسماء المنتشرة، عيسى، موسى، يحيى، زكريا، هارون، قارون، هامان، لقمان، فرعون، أحمد. ولم يعرفوا بعد أسماء كتلك التي كانت منتشرة زمن يسوع وبعد تغرب بني إسرائيل في بلاد أجنبية حيث انتشرت أسماء مثل: أندراوس، بطرس، بولس، يوحنا، فيلبس، برتلماس، متى، لوقا، مارك، توما، يهوذا..الخ.

بينما كانت الأسماء المشهور زمن إبراهيم تبدأ بالألف مثل: آزر، إبراهيم، إسحاق، إسماعيل، أو الياء مثل: يعقوب، يوسف، والتي لم يعد لها وجود بينهم في مصر، لتغير الزمان والمكان.

وسنجد أن الأسماء ستتغير مرة أخرى إلى داوود، طالوت، هاروت، ماروت، في زمان ومكان سليمان.. وهكذا.

ويضاف إلى التشابه في أوزان الأسماء، قرينة أخرى تؤكد أن عيسى كان في عصر موسى، وتلاه مباشرة، وهي: أن المجتمع كان مأخوذاً بالعجائب الخارقة للعادة، فكانت معجزات عصا موسى ويده مناسبة لذلك الزمن، الذي يجيد أهله السحر والأعمال الخارقة، كما فعل السامري. لذا جاء الحمل بعيسى بهذه الطريقة الخارقة، كون الحمل وتكون الجنين والولادة، كلها حدثت في يوم واحد، بل وخلال فترة تغيب مريم في الخلاء. وهذا ما يجعل اتهامها بالزنا مستحيلاً. ولو استغرق الحمل تسعة أشهر، فلن يصدق أحد أنها لم تحبل به سفاحاً مهما حاولت الدفاع عن نفسها[1].

يضاف لذلك أنها عندما جاءت به تحمله وهو للتو خرج من رحمها، تحدث إليهم، مما جعل أي شك منهم في أنها قد تكون أخفت حملها عنهم طوال الأشهر الماضية، غير وارد.

وكل الخوارق التي صاحبت الحمل وولادة عيسى وما جرى على يديه بعد ذلك، امتداداً لما سبق ورأوه أو عرفوه عن خوارق موسى، وذلك لكي يسهل إقناعهم بقبول كل ما سيبينه لهم عيسى عن معاني نصوص التوراة، وما يضيفه من نصوص نقصت منها. وهذه هي الغاية من خلق عيسى بهذه الطريقة، لكن بني إسرائيل أخذوا العبرة بطريقة خاطئة.

متى بدأ عيسى دعوته

هل بدأ عيسى تجديد دعوة موسى، وتصحيح ما طرأ على التوراة من تغيير، وهو طفل في المهد، أم أنه ترعرع وكبر ولما أصبح رجلاً راشداً، بدأ دعوته؟

ولأن القرآن لا يذكر شيئاً عن عمر عيسى، سنلجأ للمنطق، ونقول عيسى استغرق حمله لحظات، وتكلم في المهد كلام الرجل العاقل الراشد الملم بالتوراة التي جاء يصحح ما أدخل عليها مما ليس منها. و هنا لابد من وضع الاحتمالات، كما يلي:

إما أنه وبعد أن رآه الناس في المهد، نما بسرعة وأصبح بحجم الرجل العاقل الراشد في نفس اليوم واللحظة، وبدأ دعوته. أو أن جسده بقي بحجم الطفل حديث الولادة، لكنه كان يكلم الناس ويصحح التوراة.

أو أنه سكت بعد أن كلم الناس عندما أحضرته أمه بعد ولادته، ونما كأي طفل آخر، ولما تجاوز المراهقة، وأصبح راشداً بعد عشرين أو خمس وعشرين سنة، بدأ يدعوا الناس وينقح التوراة لهم.

ولو أن ما حدث هو الاحتمال الثاني، فإن هناك إمكانية أن الناس سيطول بهم الزمن، ولن يتذكر ما حدث له أثناء ولادته وحديثه في المهد، إلا قلة قليلة ممن بقي على قيد الحياة، وبذكرى مشوشة. وقد يصدقه البعض منهم. لكن غيرهم سينظرون لعيسى عندما يبدأ دعوته بعد هذه السنين التي قضاها بينهم كإنسان عادي، على أنه شخص يحاول أن يدعوهم لدين باطل يختلف عن دين الله الذي ورثوه. وسينظرون لما يقوم به من قدرات خارقة على أنها نوع من السحر يريد أن يسحرهم به ليصدقوا دعوته الباطلة.

لكن لو أن ما حدث هو أن عيسى تكلم في المهد وهو على شكل طفل وليد، ثم نما بسرعة غير طبيعية، حتى أصبح بهيئة رجل راشد عاقل، مع استمراره بدعوته، كونه لا يحتاج لا للخبرة ولا للحكمة، لأنه ولد وهو يتمتع بهما والدليل كلامه الحكيم وهو في المهد.

في هذه الحالة، من يريد الإيمان سيصدق ويقتنع أنه يقول الحق. بينما سيدخل الشك آخرين، وسيبالغ آخرون برواية ما هو عليه وما يقوم به وكيف حمل به وكيف ولد، بقصص مختلقة.

وهؤلاء هم من سيوجد التربة المناسبة لنمو الغلو في شخص عيسى بين الأجيال اللاحقة، الذين لم يعرفوه شخصياً ولا موسى قبله، ولكنهم نشأوا على سماع قصص خيالية لميلاد عيسى وقدراته، لا يمكن أن تصدر إلا من الله، مثل شفاء المرضى وذوي العاهات. ولأن من نقل لهم هذه القصص، بدل أن يقول عن عيسى أنه كان يجعل من الطين على هيئة الطير ويطير وكأنه طائر. نقل للناس أن عيسى كان يخلق الطيور من لحم وعظم وريش حقيقية وتطير أمام أعين الناس.

عندها سيبدأ بعض الناس بالتساؤل: هل هو الله؟

هل هو إله مع الله؟

هل هو ابن لله؟

هكذا ولد الاعتقاد في أن عيسى ابن لله، ثم تطور في أجيال لاحقة بضم مريم لتكون والدة الله الابن، ليكون هناك ثلاثة: الله الأب، الله الأم، والله الابن.

وقد يكون الغلو في عيسى لم ينشأ في مصر، لأن الإسرائيليين هناك رأوا عيسى وموسى، وهم على أربع فرق:

إما مؤمنون بموسى، ولم يجدوا غضاضة في الإيمان بعيسى.

أو أنهم آمنوا بموسى، ولكنهم ممن أدخل بعض المستحدثات على الدين، وبالتالي فلن يطيعوا عيسى بالتراجع عن بعض معتقداتهم.

أو أنهم آمنوا بموسى، لكنهم لما رأوا مريم مقبلة عليهم وبين يديها طفل وليد، سارعوا باتهامها: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً{27} يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً{28}.

وقد يكونوا قد غيروا رأيهم بعد ذلك: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً{29} قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً{30} وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً{31} وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً{32}.

أو أنهم لم يؤمنوا بموسى، ولم يؤمنوا بعيسى.

وأميل للقول إن عيسى لم يطل به المقام في بني إسرائيل لأنه خلق، بطريقة مختلفة، لمهمة خاصة أنجزها لمن تقبلها، ومن ثم توفي. لذا لم يذكر القرآن أي مواجهة بينه وبين من اعتقد بألوهيته، لأن وقته كان قصيراً جداً بين الناس لدرجة أن فكرة القول بأنه ابن الله، تحتاج لوقت لكي تتبلور، أطول من فترة حياة عيسى، الذي مات قبل أن يبدأ بعض الناس بالجهر باعتقادهم أنه قد يكون ابن لله.

وفيما يلي بعض الآيات التي تحدثت عن عيسى:

{إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ{45} وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ{46} آل عمران.

لقد أصبح كهلاً، أو بهيئة الكهل، هذا مؤكد، لكن هل بلغ سن الكهولة بنفس عدد السنوات التي يحتاجها الإنسان العادي لبلوغها؟

من المؤكد أنه لم يبق في بطن أمه سوى لحظات، وليس تسعة أشهر.

ومن المؤكد أنه لم يحتج سوى للحظات لكي يتحدث بمنطق العاقل الحكيم، بينما يحتاج الطفل العادي من البشر لسنة تقريباً ليبدأ نطق بعض العبارات البسيطة، ومع السنوات تبدأ حصيلته من المفردات اللغوية تزداد. كما أن الحكمة والرشد تأتي مع تقدم السن والاستفادة من المواقف والخبرات. لقد خلق عيسى بعقلية ناضجة، وذاكرة مكتملة، فلا حاجة له لخبرة السنوات، ولا لحفظ مزيد من الكلمات.

 والقرآن لا يذكر أن عيسى ترعرع وكبر حتى أصبح رجلاً راشداً، لكنه يذكر أنه في المهد وكهلاً، وكـأنها إشارة إلى أنه انتقل من طور المهد إلى الكهولة، دون المرور بالمراهقة وطيش الشباب، ودون أن يمر بسنوات طويلة.

لقد خلق مختلفاً، وعلمه الله الكتاب، والحكمة، والتوراة والإنجيل، ولم يتعلمها بنفسه أو يتلقاها أو يوحى بها إليه: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ{48}آل عمران.

إضافة لذلك: {وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{49} وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ{50} إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ{51} آل عمران.

لقد ولد عيسى ولديه طاقة قادرة على تأثيرات عجيبة، ومن ذلك أن يصمم شكلاً على هيئة الطير ثم ينفخ فيه فيطير كالطير الحقيقي. وهذا يذكرنا بما فعل السامري، عندما قام بتصميم عجل من الذهب، واستطاع أن يجعله يخرج صوت خوار مشابه لخوار البقر. لقد صمم بقرة تتصرف كالبقر الحقيقي. وهو ما يدل على أن ذلك المجتمع يتواجد فيه من لديهم مهارات تصميم وتصنيع أشكال وهيئات بالغة الدقة، كما سبق وذكرنا مراراً.

وحتى المؤمنون من بني إسرائيل في عصر موسى وعيسى بقي الإيمان بالخوارق مسيطراً عليهم، حيث نجد أن القلة من الذين صدقوا عيسى، وهم الحواريين، طلبوا منه أن يدعوا الله لينزل عليهم مائدة من السماء، وكأنها مقابل إيمانهم: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{112} قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ{113} قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ{114} قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ{115} المائدة.

والله جل وعلا أرسل لهم عيسى بطريقة يسهل عليهم فهمها. لكنه يتفوق عليهم بالقدرة على القيام بأشياء فوق قدرة المصممين والسحرة، كم فعل موسى من قبل، عندما التهمت عصاه كل ما قام السحرة بتصميمه بمهارة فائقة. وعيسى الآن يستطيع أن يبرئ “الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ” وهو ما لا يمكن للسحرة القيام به.

كل هذه القدرات الخارقة التي تثبت أنه يتمتع بمهارات لا يمكن أن يتمتع بها البشر، للتدليل على أنه مرسل من الله، في مهمة خاصة، فهو ليس رسول جديد لبني إسرائيل، بل هو مجدد فقط، ولم يأت بأي شيء جديد لم تذكره التوراة” وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ”.

فالهدف هو العودة لما في التوراة، وترك كل ما طرأ عليها وأحدث فيها. ليقتنعوا بأن التوراة بالفعل قد تم التلاعب بنصوصها، وأن بعض ما يعتقدون أنه من دين الله، ليس منه.

ويقول تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ{59} آل عمران.

فآدم خلق من تراب ثم نفخت فيه الروح فقام رجلاً بالغاً عاقلاً، وكأنه مر بسنوات وتجارب، لدرجة أنه كان يعلم أسماء مخلوقات لله، وهو الذي للتو نهض من العدم، بينما الملائكة الموجودين منذ القدم، لم يعرفوها: {وعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{31} قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ{32} قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ{33} البقرة.

فعلم عيسى وقدراته لا تحتاج للخبرة ولا للحكمة، لأنه ولد وهو يتمتع بهما، مثل آدم، الذي بمجرد أن نفخت فيه الروح كان يعلم أشياء في عالم البشر لا تعرفها الملائكة.

يبشر برسول يأتي من بعده

قبل وفاة عيسى، بشر الناس بأن هناك رسول سيأتي بعده مباشرة: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ{6} الصف.

وهذه البشارة امتداد للقدرات التي أودعها الله فيه، حيث أن لديه القدرة على الإخبار ببعض ما سيأتي، وهو ما سبق وذكرته سورة آل عمران: {وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{49}.

فهو يستطيع أن يتنبأ بما يأكلون خلف جدران بيوتهم، وما تحويه، من متاع ومدخرات. كما أنه تنبأ لهم برسول سيأتي من بعده وحدد اسمه بأنه أحمد. لأن أي شخص يستطيع أن يتوقع أن يأتي بعد عيسى رسول ورسل، لكن لا أحد يستطيع أن يحدد اسم الرسول التالي، إلا من أبلغه الله بذلك، أو لديه قدرة خارقة، مثل عيسى.

وأحمد كان واحداً من رسل بني إسرائيل الذين قص القرآن بعض أخبارهم، وكثيرون غيرهم لم يتحدث القرآن عنهم: {وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً{164} النساء.

والآية التي تذكر أحمد، حورها المفسرون وكأنها تتحدث عن محمد. ويريدون منا أن نتعامى عن حقيقة أن أحمد اسم، ومحمد اسم آخر، والأسماء لا تعلل، وليس لها معاني. فلا نقول أحمد بمعنى أشكر ومحمد بمعنى مشكر أو مشكور، وبناءً على ذلك يعتبران اسماً واحداً.لأنهما جاءا من الحمد والشكر. إذ لو كان الوضع كذلك فمحمود وحامد وحميد وحمد وحمدون وحمدي وقائمة طويلة من الأسماء التي تشترك في جذر واحد (ح م د) هي اسم واحد. إذاً، محمد ليس أحمد، وكل اسم من هذه الأسماء مستقل بذاته، ولا صلة له بالبقية.

وأحمد بشر به عيسى بني إسرائيل، كواحد من رسلهم، ولا علاقة لمحمد ولا لقريش به. لأن قريش في مكة منذ أيام إبراهيم، بينما بشرى عيسى كانت موجهة لبني إسرائيل في مصر، في عصر موسى وعيسى. ولا يمكن أن يبشر عيسى بني إسرائيل بمجيء محمد لقريش، لأن الغاية من بشرى عيسى هي تأكيد صدقه، وأن ما يقوله لبني إسرائيل، هو ما علمه الله. ومن ذلك أنه سيأتيهم رسول بعده اسمه أحمد، وسيأتي بعده مباشرة، وليس في وقت ما. كما أن أحمد مرسلاً لبني إسرائيل وليس لغيرهم.

وكون عيسى علم أنه سيأتي بعده رسول اسمه أحمد، ويستطيع أن يخبر بني إسرائيل بما في بيوتهم، لا يعني أنه يستطيع أن يعلم الغيب، ويتنبأ بمجيء رسول يبعث في مكة بعد زمن طويل جداً. لأنه لا فائدة من أن يعلم ذلك، فكل قدراته الفوق عادية تهدف لإثبات أنه رسول من الله لبني إسرائيل، وليس لقريش علاقة بذلك. مثلما أن إرسال محمد لقريش في عصور لاحقة لا علاقة لبني إسرائيل زمن عيسى به.

وكبشر فعيسى لا يمكن أن يكون على علم بمجيء محمد، بل لا يمكن أن يكون قد علم بمجيء سليمان وداوود، ولا أي رسول آخر من الرسل الكثر لبني إسرائيل بعده، ما عدا أحمد، لأن الله أبلغه بذلك، كبرهان على صدق رسالته لمن عاصره. أما البقية من رسل بني إسرائيل فسيرسلون بعده بزمن طويل، ولا حكمة في إبلاغه عنهم.

وعلى القراء أن يتذكروا أن البيئة التي ولد فيها عيسى وموسى عربية اللسان، كما سبق وأثبتنا في بداية الحديث عن مصر. واسم أحمد عربي مثل كل أسماء بني إسرائيل كموسى، عيسى، يحيى، زكريا، هارون، إبراهيم، إسماعيل، وإسحاق. أما نطق موشي، عيسو، زكرايا، آرون، أبرهام، إشماعيل، ويتسحك، فهو نطق فيه عجمة اكتسبها بنو إسرائيل في وقت لاحق من تاريخهم، وبعد شتاتهم، عندما اختلطت ألسنتهم بلغات أخرى، فأصبحت عربيتهم خليط من مفردات لغات شتى، دون قواعد وضوابط خاصة بها. وأصبحت أسماؤهم أسماء البلاد التي انتقلوا إليها وأعوجت ألسنتهم.

ولو وافقنا المفسرون أن أحمد هو محمد، فكأننا لم نصدق بأن محمداً رسول لله إلا لأن كتب اليهود شهدت له، وليس لأن الله قال بذلك. بل وأعظم من ذلك هو أننا نضرب بكلام الله الواضح البين عرض الحائط، ونحرف الكلم ونحن نعلم، فالآية تقول عن رسول بني إسرائيل أحمد الذي بشر بمجيئه عيسى أنه جاء وبعث لبني إسرائيل وبلغ رسالته ومات في زمانه، ولنتدبر مرة أخيرة الآية التي أوردت الخبر: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ{6} الصف.

فالآية تقول: عيسى أخبر بني إسرائيل أنه سيأتيهم رسول لهم بعده اسمه أحمد.

وتقول: أن أحمد “جاءهم بالبينات”.

وتقول: أن بني إسرائيل لم يعجبهم ما جاء به رسولهم أحمد كعادتهم مع كل الرسل الذين أرسلوا لهم، ووصفوا ما يدعوهم له بالسحر: “قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ”.

فأحمد جاء ومات مباشرة بعد عيسى، ومات قبل عصر محمد بفترة لا تقل عن 2000 عام، ولو كان هو محمد فالأحرى أن تبشر به قريش لأنه رسولهم، وليس بني إسرائيل.

وفاته

ما فهمته من الآيات أن عيسى لم يدم به المقام طويلاً بين بني إسرائيل، فهو خلق لمهمة خاصة، ولم يخلق لكي ينشأ كبقية الناس ويتزوج وينجب مثلهم للحفاظ على الجنس البشري. لذا فقد أدى مهمته ثم توفاه الله: {إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ{55} آل عمران.

ولا أشك للحظة أن رافعك إلي لا تعني أنه حي يرزق بجوار الله (تعالى الله عن خلقه علواً كبيراً). وكل ما يحويه الكون عبارة عن خلق لله، وكل مخلوقات الله بعيدةً عن ذات الله، الذي لا يحد بمكان ولا زمان. فهو سبحانه ليس داخل ملكه، ولو كان معنى “رافعك إلي” تعني التواجد بقرب الله، فهذا يعني أن الله موجود في مكان محدد، داخل هذا الكون الذي هو خلقه، وأن له جسد ….الخ.

مما يجعلنا نشبه الله بالخلق، مع أنه سبحانه: {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ{11} الشورى.

وأي صفة لخلق من خلقه فليس لله منها شيء. وعيسى توفاه الله قبل أن يرفع روحه، أي أنه مات، كبقية مخلوقات الله التي ستموت كلها، وستحفظ أرواحها بعلم الله، لتعاد لها الحياة يوم القيامة. ولا يوجد مخلوق حي مستثنى من هذا القانون الإلهي، سواءً كان من البشر أو من غيرهم: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ{26} وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ{27} الرحمن.

وحفظ الأرواح لا علاقة له بهذا الكون، لأن هذا الكون سينتهي وينشأ كون جديد للقيامة: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ{68} الزمر.

مما يعني أن ما نطلق عليه الكون هو خلق من خلق الله الذي لا حدود لقدرته، ولو قلنا أن عيسى رفعه الله إليه كجسد وليس نفس، فهذا يعني أن الله داخل الكون في مكان ما، وهذا تحجيم لله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. أو أن عيسى خارج الكون وخارج كل المخلوقات، وهذا كثير في حق المخلوق.

ورفع عيسى لله يعني رفع النفس بعد الوفاة دون الجسد، مثله مثل كل المخلوقات، والدليل في نفس الآية حيث تقول: “إني متوفيك ورافعك إلي”.

وإلى لقاء قادم بعون الله.

عيسى مقابل يسوع، والنصرانية مقابل المسيحية (10)

التثليث

سنحاول التعرف، إن أمكن، على بداية ظهور عقيدة الغلو في عيسى والنظر إليه على أنه ابن لله وثالث ثلاثة. والآيات تقول إن الناس قد انقسموا حيال عيسى إلى ثلاث فرق، كما يلي:

أناس لم يصدقوه، وهم ممن لم يصدقوا موسى قبله، وهم أكثر بني إسرائيل.

وأناس أتقياء صدقوا موسى وصدقوه، وهم القلة: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ{52} رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ{53} وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ{54} آل عمران.

وأناس بنوا حوله عقيدة لم يعلم بها، واعتقدوا أنه ابن الله. وهؤلاء لم يرهم عيسى ولم يسمع بهم أثناء حياته، لأن عقيدتهم احتاجت كغيرها من العقائد المستحدثة، للوقت الكافي للتحول من قصص وأخبار إلى عقيدة.

ويحتمل أن تكون عقيدة الغلو في عيسى واعتباره ابناً لله بدأت في مصر، التي ولد فيها عيسى، واحتمال أنها ولدت في مكان آخر غير مصر.

وأميل إلى أن الغلو في عيسى حدث خارج مصر، حيث أخذ الناس يتناقلون قصصاً وأخباراً عن عيسى بعد موته، وكما هي العادة فالراوي يضيف على القصة ما يزيد من تشويقها في أذن السامع، ويأتي قاص آخر ويقصها على مستمعيه بطريقة يريد أن يوصل بواسطتها فكرة معينة، ويأتي راو آخر، ويضيف للقصة وينقص منها لتتوائم مع الجو العام للمستمعين وما يجب مراعاته في المجلس حسب الأعراف المتبعة. ويأتي راو ويقص ما سمع حسبما فهم هو وليس كما كانت القصة.

وهكذا يتولد من خبر واحد عن عيسى عشرات الأخبار والقصص، عن شخص لم يروه ولم يعرفوه، مما يجعل اختلاق القصص أسهل وأكثر تنوعاً.

والقرآن لا يذكر أن هناك من اعتقد أن عيسى ابن لله أثناء حياته، ولكن الآيات تقول: {وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ

مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ{116} مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ{117} إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{118} المائدة.

وهذا سؤال افتراضي سيكون يوم القيامة، لعيسى إن كان هو من قال للناس أنه ابن لله أو إله مع الله.

والآيات تظهر من الجواب على لسان عيسى أنه لم يكن يعلم أن الناس قد اعتبروه إلهاً من دون الله أو مع الله ” مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ”.

وآيات أخرى تقول: {لعن الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ{78}.

ولا ذكر للتثليث زمن عيسى. لأن الناس إما مؤمن به أو كافر، لكن أجيال أخرى لم تره بدأت تتخيل عنه غير ذلك لأن الوقت اختلف ولم ير الناس معجزات موسى ولا عيسى لكنهم سمعوا ما حدث بروايات مشوشة.

ومن المؤكد، أن التثليث لم يعتقده الناس بين يوم وليلة، ولكن الفكرة بدأت باعتقاد بعض الناس أن عيسى يستطيع أن يخلق خلقاً حقيقياً لمخلوقات حية. ولأن الخلق لله وحده، فقد ظهر من يقول بأن عيسى كان هو الله، وسورة المائدة تخبرنا عن بداية هذه العقيدة وتطورها: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ……

مع أن عيسى لم يقل سوى ما كلفه الله به:  {…. وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ{72}.

ثم جاء من استكبر أن يكون عيسى هو الله خالق كل شيء، لكنه قد يكون ابن لله، فهو إله محدود القدرات، ومريم إله، لأنها أمه، والثالث هو الله القادر على كل شيء، فهم ثلاثة آلهة: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{73} أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{74} مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ{75}.

وهذه الآيات لا تتحدث عن عصر عيسى ولكن عمن جاءوا بعده، وهو لم يعلم بهم. مثلها مثل آية أخرى في نفس سورة المائدة، والتي تقول: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{17} المائدة.

وسورة المائدة تتحدث لمحمد وتخاطب بني إسرائيل، والنصارى منهم تحديداً، الموجودين في يثرب.

ونفس السورة في آية أخرى تقول: {….. وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ{110}.

لقد اتهم عيسى بالسحر والدجل في حياته، لكن لا أحد قال له أو عنه أنه إله أو ابن لله، لأن المعتاد هو أن الغلو بشخص لا يأتي في حياته ولكن بعد عقود من وفاته. فعلي ابن أبي طالب لم يصبح ولياً لله في حياته، ولم تعلم زوجته فاطمة أنها الزهراء في حياتها. ولم يعلم ابن حنبل أو ابن عبد الوهاب أنهما أصبحا بهذه القداسة في حياتهما.

وبما أننا نعتقد جزماً أن قرية فرعون تقع في جنوب غرب جزيرة العرب وقد تكون فيما يعرف اليوم برنية، فقد توارد في ذهني تساؤل لا أجد ما يعضده، ويتمثل بحاضرة قديمة من حواضر أودية جنوب غرب جزيرة العرب الهامة، وهي تثليث التي لا تبعد كثيراً عن مصر.

وتثليث اسم قديم، قدم الحاضرة ذاتها، يبدأ بحرف التاء، مثل تبوك، تهامة، تيماء، ولعل أسماء حواضر جنوب غرب جزيرة العرب القديمة دائماً لا تلحقها “أل” التعريف.

والسؤال هو: هل تثليث اسم مكان لا يدل على معنى معين، أم أن له علاقة بالغلو في عيسى وأمه؟

التثليث لو أخذناه كلفظ، فهو من ثلاثة. وبعد عيسى وجدت عقيدة النصارى الذين يعتقدون أنه ثالث ثلاثة، مع الله (جل جلاله) ومريم أمه. وهنا علينا أن نتذكر الفرق بين عقيدة النصارى وعقيدة من تسموا بالمسيحيين، الذي يعتقدون بالتثليث، لكن بيسوع والله والروح القدس، وليس أم يسوع. وهو فارق هام جداً وجذري، لأن النصارى لا يعتبرون ما يسمى “الروح القدس” إلهاً.

ونتساءل: ترى هل ظهرت عقيدة التثليث بعيسى في مصر، وطردوا منها بسبب عقائدهم، فلجأوا لمكان على وادي تثليث، عرف ببلاد التثليث، نسبة لهم؟

مجرد تساؤل لا أملك ما يسنده، ولا ما ينفيه.

واللقاءات القادمة بعون الله ستكون عن كيف تم إلباس يسوع ما لعيسى ابن مريم وكيف تم الخلط بين عيسى ويسوع عند النصارى وكيف تم الخلط عند المسلمين.

والسلام

عيسى مقابل يسوع، والنصرانية مقابل المسيحية (11)

النصارى وكيف التبس أمر يسوع على اليهود

بعد غرق فرعون وبعد كتابة موسى للتوراة في وادي طوى قرب المسجد الحرام في مكة، عاد موسى وبني إسرائيل إلى قرية مصر واستمروا يعيشون هناك: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاؤُواْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ(61) البقرة.

وقد أضاع بنو إسرائيل التوراة أو بعض الألواح التي كتبت فيها في عصر موسى أو بعد وفاته مباشرة فبعث فيهم عيسى لإعادتهم لدين الله، كما سبق وذكر في اللقاء الماضي. ولم يؤمن بعيسى من بني إسرائيل إلا نفر قليل، هم الحواريون (العائدون للحق). وهم قلة قليلة من بني إسرائيل: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(52) آل عمران.

ولابد أن معتقداتهم تحورت بعد موت عيسى مثلهم مثل كل الأمم، واتبعوا تشريعات بشرية بديلة لدين الله، متفرقين لفرق ومذاهب، منها:

بعضهم اعتقد أن عيسى هو الله: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ(72) المائدة.

وبعضهم اعتقد أن عيسى ابن الله: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ(30) براءة.

وبعضهم اعتقد أن عيسى وأمه آلهة مع الله: لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ

مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(73) المائدة.

ويمكن ملاحظة أن النصارى لا يعرفون إلهاً اسمه “الروح القدس”، بينما لا يعتبر المسيحيون يسوع هو الله، ولكنهم يعتبرونه ابن لله وثالث ثلاثة مع الله والروح القدس. وهذه الفروق جوهرية بين النصارى والمسيحيين.

وفي عصور لاحقة لما بعد موسى وعيسى تعرضت بلاد بني إسرائيل (قرية مصر) إلى اجتياح أجنبي: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً{4} فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً{5}.

وقد تسبب هذا الاجتياح في هروب الكثير منهم وتفرقوا يمنة ويسرة. وبعضهم سلك طريق التجارة القديم المتجه إلى بلاد الشام مروراً بالقرب من مكة ويثرب وخيبر وتيماء ووادي القرى وبقية الحواضر التي قامت بالقرب منه واستقروا فيها، وبعضهم واصلوا مسيرهم لبلاد الشام وبلاد النيل.

وقد استوطن بعض بني إسرائيل يثرب، بعضهم كانوا من نسل من لم يؤمن بعيسى وبعضهم كان من الفرق التي غالت بعيسى، وبقوا حتى هجرة الرسول، وقد خاطبهم القرآن في عدد من السور، وأخبرنا عن معتقداتهم.

ومما قاله القرآن عن بني إسرائيل الذين في يثرب: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا(158) النساء.

لقد كانت لديهم اعتقاد أنهم قتلوا المسيح عيسى ابن مريم، أو أنهم صلبوه.

والآيات تؤكد أن المسيح مات ولم يقتل ولم يصلب.

والآيات تتحدث عن لبس بين بعض أهل الكتاب زمن رسول الله أن المسيح ابن مريم حدث له الذي حدث ليسوع أو أنهم يعتقدون أنه هو يسوع.

أما النصارى في يثرب زمن رسول الله فلم يكن عندهم هذا اللبس.

فمن هم الذين التبس الأمر عليهم؟

آيات سورة النساء السابقة تكمل لتقول: وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159) فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا(160) النساء.

إذا من التبس عليهم الأمر هم اليهود وليس كل بني إسرائيل.

فكيف حدث اللبس؟

اليهود معتقد (مذهب) استحدث بعد عصر موسى وعيسى، بل قد يكون أول ما ظهر في المملكة التي أسسها داوود. وهم يختلفون في معتقداتهم عن بني إسرائيل الذين تحدروا من أتباع موسى. والمعتقد اليهودي يعتقده أناس من أجناس مختلفة ومنهم قلة قليلة من بني إسرائيل. وهم من وقع السبي على كثير منهم في الحملة العسكرية الفارسية على مملكة داوود (التي تقع في أقصى جنوب جزيرة العرب وليس في فلسطين) واقتيدوا لبابل العراق وبقوا هناك لعشرات السنين. وهم من بدأ بكتابة تاريخهم وهم من كتبوا التلمود. وهم من حلو محل بني إسرائيل كممثلين لدين موسى: ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً{6} إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً{7} عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً{8} بني إسرائيل.

وقد هرب كثير منهم أثناء اجتياح مملكة داوود بعضهم وصل لفلسطين واستوطنها وبعضهم استقر في يثرب مع بني إسرائيل والنصارى.

وبعد أن تحرروا من أسر بابل انتقل بعضهم للعيش في الخزر وأسسوا هناك دولة لهم، والبعض الآخر انتقلوا لفلسطين وانضموا لليهود وبني إسرائيل هناك. وكانت لهم اليد الطولى على بني إسرائيل منذ ذلك الوقت.

وبما أن ثقافتهم بعصر موسى مشوشة كونهم ليسوا من بني إسرائيل ولم يعيشوا في مصر زمن موسى، وبما أنهم عاشوا في فلسطين التي ظهر فيها يسوع وقتل وصلب نتيجة لإمساك رجال الدين اليهود به قبل تنفيذه لمخططه بقتل الحاكم الروماني وإعلان مملكته، فقد اعتقدت أجيالهم التالية بعد عصر يسوع أن يسوع هو عيسى. وبما أن تواصل اليهود ببعضهم مستمر فقد وصل هذا الاعتقاد ليهود يثرب.

فجاء القرآن، ليبين هذا اللبس ويوضح الحقيقة: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا(158) النساء.

فمريم ليست هي أم يسوع التي تزوجت بيوسف النجار، والتي ظنوا أنها زنت.

وعيسى ليس هو يسوع الذي قتل وصلب بمؤامرة يهودية.

ولكن الأمر التبس عليهم (ولكن شبه لهم). هنا المفسرون دورهم جاء لتشويه الحقيقة كالعادة، فقالوا إن يسوع هو عيسى لكنه عندما حان وقت صلبه القى الله شبهه على رجل آخر فصلب ذلك المسكين ونجا يسوع (عيسى)، “مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ”.

هكذا حدث اللبس عند اليهود زمن الرسول عليه الصلاة والسلام.

وبعد عصر الفتوح ودخول الكثير من أهل البلاد المفتوحة الإسلام وجلهم من المسيحيين فقد رسخ لديهم أن الحديث عن عيسى في القرآن هو حديث عن يسوع. خاصة أن بقايا النصارى قد انتهى أمرهم إما بالدخول في الإسلام أو الهجرة للبلاد المفتوحة والذوبان في المجتمعات المسيحية.

ومما ساعد على ذلك هو أن المسيحي العادي لا يقرأ كتابه المقدس ليعرف أن يسوع اسم وعيسى اسم آخر. وعندما دخلت الأفواج الأولى من سكان

البلاد المفتوحة إلى الإسلام بقي القرآن بعيداً عنهم. وعندما جاء المفسرون عوضاً عن بيان اللبس رسخوا هذه الأساطير ولم يعد هناك مكان للحقيقة التي توارت عن الأنظار.

وهكذا تحول عيسى ابن مريم إلى يسوع.

وبقي السؤال التالي:

كيف ألبس يسوع شخصية عيسى ابن مريم في الكتاب المقدس للمسيحيين ونسب له كثير مما كان يتمتع به عيسى؟

هذا السؤال هو عنوان حلقتنا القادمة بعون الله.

والسلام.

والنصرانية مقابل المسيحية (12)

كيف ألبس يسوع شخصية عيسى ابن مريم؟

شخصيتان ذكرتا في الكتاب المقدس للمسيحيين، أحدهما مشهور جداً وهو من قام بالتبشير بشخصية يسوع المصطنعة، والآخر لا يعرفه المسيحي العادي وكثير من رجال دينهم برغم أنه هو من ابتدع فكرة تلبيس يسوع كثير مما كان يتمتع به عيسى وزاد عليه تأليهه وأنه صلب فداء لذنوب البشر.

وفيما يلي تعريف بالرجلين وما فعلاه.

بولس الطرسوسي (واسمه الحقيقي شاؤول)

بولس (أو كما أصبح يعرف بالقديس بولس) رجل ذو شخصية غامضة، لا يُعرف متى ولد ولا أين نشأ على وجه الدقة، ولذا فالكنيسة لا تحبذ التحدث عن تاريخه أو سيرته الذاتية. وهو يعترف في رسائله بأنه حرباء يتلون حسب المناسبات، فهو يهودي مع اليهود، وروماني مع الرومان.

ظهر في فلسطين فجأة بعد سنوات من موت يسوع، الذي لم يره أو يجتمع به في حياته. وقد ولد في طرسوس ذات البيئة الوثنية الإغريقية، ولم يكن من بني إسرائيل، بل إنه لم يعتنق اليهودية إلا بعد أن أصبح رجلاً، ويزعم أنه أصبح من المتقدمين في تلك الديانة (كما يقول الصليبي في البحث عن يسوع).

وأصبح من أكثر الناشطين للقضاء على أتباع يسوع وحركتهم التحررية، حيث تولى منصب رئيس الوكلاء في القدس المكلف بمتابعة أفراد تلك الحركة (كما ذكر الصليبي في كتابه البحث عن يسوع). فطاردهم وقتل وأدخل الكثير منهم السجن. ويقول لوقا عنه: ” وأما شاؤول (إسمه الحقيقي قبل أن يغيره إلى بول) فكان يسطو على الكنيسة، ويدخل البيوت ويجر الرجال والنساء ويسلمهم إلى السجن.” (أعمال الرسل: 8 : 3)

ويكون أول ما عُرف عنه أنه رجل من رجال أمن الدولة الرومانية في فلسطين، ولديه السلطة التي تخوله لملاحقة أتباع يسوع وسجنهم أو قتلهم في محاولة للقضاء نهائياً على حركتهم التحررية.

وهذا ما يؤكده بولس بلسانه قائلاً: أنا رجل يهودي ولدت في طرسوس كيليكية ولكن ربيت في هذه المدينة مؤدبا عند رجلي غمالائيل على تحقيق الناموس الابوي وكنت غيورا للّه كما انتم جميعكم اليوم. واضطهدت (أتباع يسوع) حتى الموت مقيدا ومسلما الى السجون رجالا ونساء. كما يشهد لي ايضا رئيس الكهنة وجميع المشيخة الذين اذ اخذت ايضا منهم رسائل للإخوة والى دمشق ذهبت لآتي بالذين هناك (منهم) الى اورشليم مقيدين لكي يعاقبوا (أعمال الرسل:22 : 3 – 5)”

لكن كيف تحول بولس من مطارد لأتباع يسوع إلى مبشر بيسوع؟

حنّانيا سبب تحول بولس

يذكر بولس كيف تحولت مشاعره بقوله إن يسوع ظهر له (في المنام) وهو في طريقه إلى دمشق للقبض على مناصري حركة يسوع هناك، ومنذ تلك اللحظة تحول وأصبح المبشر الأول بما عرف فيما بعد بالمسيحية.

وهذا نص ما قاله الكتاب المقدس: “أما شاؤول فكان لم يزل بنفث تهديداً وقتلاً على تلاميذ يسوع. فتقدم إلى رئيس الكهنة وطلب منه رسائل (توصيات) إلى دمشق إلى الجماعات حتى إذا وجد أناساً (من أتباع حركة يسوع) في الطريق رجالاً ونساءً يسوقهم موثقين إلى أورشليم. وفي الطريق حدث أنه اقترب إلى دمشق فبغتة أبرق حوله نور من السماء. فسقط على الأرض وسمع صوتاً قائلاً له شاؤول شاؤول لماذا تضطهدني؟ فقال من أنت يا سيد؟ فقال الرب أنا يسوع الذي تضطهده. صعب عليك أن ترفس مناخس. فقال وهو مرتعد ومتحير يا رب ماذا تريد أن أفعل. فقال له الرب قم وادخل المدينة فيقال لك ماذا ينبغي لك أن تفعل (أعمال الرسل: 9 : 1-6)

وحسب ظاهر هذا الكلام يكون شاؤول في طريقه لدمشق لمطاردة من فيها من أتباع يسوع والقبض عليهم واقتيادهم لأورشليم ليسجنوا ويحاكموا.

والنص الذي ورد على لسان بولس في أعمال الرسل يقول بأنه قد رأى رؤيا خرافية ظهر فيها يسوع، الذي لم يسبق له أن رآه حياً، ولا يعرف شكله. وطلب منه الكف عن مطاردة أتباعه، وأمره أن يدخل المدينة (دمشق) ليقال له ماذا ينبغي أن يفعل.

ومنطقياً لم يكن على شاؤول إلا أن يكف عن مطاردة أتباع يسوع فقط، لا أن يطلب منه أن يفعل شيئاً آخر. فهو كان يضطهدهم ويقتلهم ويسجنهم، وظهور يسوع المزعوم يفترض أن يكون ليطلب من شاؤول الكف عنهم فقط، أو الانضمام إليهم. لكن ما حدث لشاؤول بعد هذه الرؤيا المزعومة هو أنه تحول إلى مبشر بآراء وأفكار عن يسوع تخالف تماماً ما كان يسوع وأتباعه عليه.

وبدأ شاؤول بنشر أفكاره الجديدة التي منها أن يسوع لم يأت ليخلص اليهود من حكم الغير ويؤسس لهم مملكة مستقلة، كما ورد على لسان يسوع نفسه عندما لم يلتفت للمرأة الكنعانية وقال: لم أرسل إلا إلى خراف إسرائيل الضالة (متى: 15 : 24)

ولكنه جاء ليخلص الناس من ذنوبهم ويؤسس لهم مملكة في السماء وليس في الأرض. وهذا يعني أن يستكين الناس ومنهم الإسرائيليون، أتباع يسوع، لحكم الرومان ولا يقوموا بثورات تحررية ضدهم كما حاول يسوع، وكما استمر أتباع يسوع يحاولون من بعده عندما ظهر شاؤول.

وقد إندفع شاؤول بحماس منقطع النظير، كما هي عادته، بنشر أفكار كثيرة جعلت الناس تنسى الغاية الأساسية التي جاء من أجلها يسوع لفلسطين، وهي البحث عن تأسيس مملكة وحكم، وتتذكر ما نسبه إليه شاؤول بعد موته فقط.

والتحول من مندفع لمطاردة أتباع يسوع بدرجة مبالغ فيها، إلى استخدام العقل للتوصل لوسيلة فعالة تهدف لنشر أفكار تتعارض مع ما كان يدعوا به يسوع في حياته، والتزم به إخوته وأتباعه من بعده، ونسبة تلك الأفكار المخالفة إلى يسوع نفسه. يجعل من المستحيل التصديق أن شاؤول، الذي يؤمن بالعنف المبالغ فيه لدرجة التطرف في ملاحقة وتقتيل وسجن أتباع حركة يسوع، يمكن أن يتحول إلى رجل يؤمن بأن الحيلة والعمل السلمي الماكر يؤديان إلى نتائج أكثر فتكاً بحركتهم من العمل المسلح.

فالشخص المتطرف في الاندفاع للعنف البدني عادة لا يملك الدهاء الكافي لاستنتاج أن نهج وسائل سلمية المظهر ستكون فتاكة أكثر في القضاء على الحركة التي يريد القضاء على أفرادها. ولكن لو تم إقناعه بها من قبل الغير فسيتحمس ويندفع لنشرها، مثلما كان متحمساً ومندفعاً لنهج طريق العنف قبل ذلك.

فمن هو ذاك الشخص الذي اهتدى إلى استخدام شاؤول المندفع، لتنفيذ وسيلة أكثر فاعلية للقضاء النهائي على حركة أتباع يسوع التي تهدف لجمع المؤيدين لها للقيام بثورة على الحكم الروماني، كما رغب يسوع، وتأسيس مملكة إسرائيلية في فلسطين؟

والإجابة على هذا التساؤل لازال موجوداَ في ثنايا نصوص الكتاب المقدس المسيحي وبالتحديد في سفر أعمال الرسل حيث نقرأ أن يسوع في تلك الرؤيا المزعومة قد طًلب من شاؤول أن يذهب لدمشق ويلتقي رجلاً سيقول له ما ينبغي عليه أن يفعل، وهذا نص ما جاء في أعمال الرسل، الإصحاح الثاني والعشرين: ” 10فقلت ماذا افعل يا رب؟ فقال لي الرب قم واذهب الى دمشق وهناك يقال لك عن جميع ما ترتب لك ان تفعل.11 واذ كنت لا ابصر من اجل بهاء ذلك النور اقتادني بيدي الذين كانوا معي فجئت الى دمشق.12 ثم ان حنّانيا رجلا تقيا حسب الناموس ومشهودا له من جميع اليهود السكان.13 أتى اليّ ووقف وقال لي ايها الاخ شاؤول ابصر. ففي تلك الساعة نظرت اليه.14 فقال: اله آبائنا انتخبك لتعلم مشيئته وتبصر البار وتسمع صوتا من فمه.15 لأنك ستكون له شاهدا لجميع الناس بما رأيت وسمعت.16 والآن لماذا تتوانى؟ قم واعتمد واغسل خطاياك داعيا باسم الرب.”

إذاَ، شاؤول لم ير يسوع في الحلم، ولم يقل له ما هي المبادئ الجديدة التي يجب عليه نشرها.

وهذه حقيقة هامة يعترف بها شاؤول نفسه، عرضاً.

ولعل النص قد تم التلاعب به، وليكون ما حدث فعلياً هو أن شاؤول قد التقى رجلاً يهودياً آخر، لا يرغب في رؤية مملكة مستقلة للإسرائيليين في فلسطين، ويتمنى القضاء على حركة أتباع يسوع التحررية التي يبدوا أنها استمرت كحركة تحررية سرية بعد موت يسوع، وبقيادة إخوته. وهذا الرجل اليهودي يمتلك الذكاء والدهاء والمكر، وكان متابعاً لنشاطات رجال السلطة الرومانية في ملاحقة أتباع يسوع وعلى رأسهم شاؤول طوال العشر سنوات التي تلت موت يسوع، وتوصل إلى قناعة تامة أن الملاحقة والتقتيل لن يضعفا تلك الحركة، بل سيزيد من تعاطف الناس معها، وانضمام أفراد جدد لها.

وأوصله تفكيره الماكر إلى طريقة سلمية، ولكنها فعالة جداً، وكفيلة بالقضاء على حركة أتباع يسوع من الداخل. ولم يكن هناك شخص أكثر ملائمة للقيام بها من شاؤول ذو الشخصية المندفعة.

وقد ورد نصٌ في أعمال الرسل، يؤكد أن حنّانيا هو الذي زعم أنه رأى يسوع في الحلم، وهو الذي أبلغ شاؤول أن الرب قد اختاره لتنفيذ تلك المهمة، وهو من درّسه كل ما يجب عليه أن يفعل.

وهذا هو النص: “10 وكان في دمشق تلميذ اسمه حنّانيا. فقال له الرب في رؤيا: يا حنّانيا. فقال هانذا يا رب.11 فقال له الرب قم واذهب الى الزقاق الذي يقال له المستقيم واطلب في بيت يهوذا رجلا طرسوسيا اسمه شاؤول. لأنه هو ذا يصلّي.12 وقد رأى في رؤيا رجلا اسمه حنّانيا داخلا وواضعا يده عليه لكي يبصر.13 فأجاب حنّانيا يا رب قد سمعت من كثيرين عن هذا الرجل كم من الشرور فعل بقديسيك في اورشليم.14 وههنا له سلطان من قبل رؤساء الكهنة ان يوثق جميع الذين يدعون باسمك.15 فقال له الرب اذهب. لان هذا لي اناء مختار ليحمل اسمي امام امم وملوك وبني اسرائيل.16 لأني سأريه كم ينبغي ان يتألم من اجل اسمي.17 فمضى حنّانيا ودخل البيت ووضع عليه يديه وقال ايها الاخ شاؤول قد ارسلني الرب يسوع الذي ظهر لك في الطريق الذي جئت فيه لكي تبصر وتمتلئ من الروح القدس.18 فللوقت وقع من عينيه شيء كأنه قشور فأبصر في الحال وقام واعتمد.19 وتناول طعاما فتقوى.”(الإصحاح التاسع)

وهذا هو شاؤول ينقل لنا بلسانه ما حدث في دمشق، قائلاً: ثم إن حنّانيا رجلاً تقياً حسب الناموس ومشهود له من جميع السكان (أي أنه رجل دين يهودي متعصب) أتى إلي ووقف وقال لي أيها الأخ شاؤول أبصر ففي تلك الساعة نظرت إليه فقال إله آبائنا انتخبك لتعلم مشيئته وتبصر البار وتسمع صوتاً من فمه. لأنك ستكون له شاهداً لجميع الناس بما رأيت وسمعت (أعمال الرسل: 22 : 12-15)

إذاً هو حنّانيا الذي أخضع شاؤول لعملية غسيل دماغي، أوهمه بواسطتها أن إله أباء اليهود، وليس يسوع، قد اختاره لكي ينشر بين الناس أفكاراً جديدة عن يسوع لم يقل بها في حياته ولم يسمع بها أتباعه.

ويكون ما حدث لشاؤول ليس حلماً جعله يغير استراتيجيته حيال أتباع يسوع، ولكنه ذهب إلى دمشق لملاحقة بعض من ينتمون لحركة إخوة يسوع التحررية المحظورة. ولم يكن تغير موقف شاؤول ناتج من قناعته الشخصية، لأن الذي يؤمن بالقضاء على المعارضين بالبطش يعجز عن التفكير بطريقة أخرى، تعتمد على المكر والدهاء، ولكنه تبنى دوراً رسمه له شخص ماكر.

خطة حنّانيا

استغرق تلقين شاؤول الدرس عدة سنوات، وتم تنفيذ الخطة على عدة مراحل:

المرحلة الأولى “الإقناع”

إقناع شاؤول المضطهد الأول لحركة يسوع، أن يسوع قد ظهر لحنّانيا في المنام منزعجاً من اضطهاد شاؤول لأتباعه، ويطلب منه أن يكف عن ذلك، كما يبلغه أن رب اليهود قد اختاره لكي يكون المبشر بمبادئ عن يسوع، مات ولم يبلغها لأتباعه.

وقد صدق شاؤول أن حنّانيا قد رأى يسوع في المنام فعلاً، وقد أختارخ رب اليهود. فأعلن إقلاعه عن ملاحقة أتباع يسوع واستعداده لأن يفني بقية حياته في التكفير عن أفعاله السابقة ضدهم. وهو ما يعني أن حنّانيا قد نجح في ترويض شاؤول لقبول وتبني أي مبادئ يتم تلقينها له، ونشرها على أنها لخدمة رب الآباء الذي اختاره لهذه المهمة، دون تساؤل عن صدق هذه المبادئ أو عقلانيتها.

وهكذا أصبح شاؤول عجينة لدنة بين يدي حنّانيا يشكله كيف يشاء.

المرحلة الثانية “ولادة المبادئ”

توصل حنّانيا إلى أن أفضل ما يمكن أن ينسب ليسوع، وهو الرجل الغريب عن فلسطين لأنه جاء منذ سنوات قليلة إليها، هو ما نسبه بعض اليهود في غابر الأيام لأحد أنبياء بني إسرائيل، عيسى، الذي ولد بدون أب، فظن الناس أن والده هو الله، وهي عقيدة لم يسمع بها الناس في فلسطين لأن عيسى كان يعيش في جزيرة العرب، ومات قبل مئات السنين من العصر الذي عاش فيه يسوع. لكن حنّانيا اليهودي سمع بها لأنه على علاقة باليهود داخل جزيرة العرب.

وبما أن الهدف هو القضاء على حركة يسوع التحررية التي يقوم عليها إخوته، والتي تسعى لجمع مؤيدين لهم ليتمكنوا من الثورة على الحكم الروماني في فلسطين وتأسيس الدولة التي صلب بسببها يسوع. فإن من الملائم أن ينسب ليسوع أنه لم يأت ليؤسس دولة دنيوية ولكنه ابن الرب الذي جاء ليقتل على الصليب بإرادة والده (الرب) لكي يخلص الناس من ذنوبهم. فهو لم يكن المخلص للإسرائيليين فقط من حكم الغير، ولكنه المخلص للناس جميعاً من الذنوب.

ولهذا توجب على حنّانيا أن يلقن شاؤول عقيدة النصارى، الغير معروفة لديه، لأنه ولد ونشأ في طرسوس البعيدة عن جزيرة العرب مسافة وثقافة، وعاش في فلسطين التي تنتشر فيها لغات وثقافة يونانية رومانية. وما بقي من عقائد النصارى مكتوب بلغة من لغات جزيرة العرب التي لا يفهمها شاؤول.

ويبدو أن حنّانيا احتاج لبعض المعلومات الإضافية عن عقيدة النصارى، فبعث شاؤول بكتاب إلى موطنهم في جزيرة العرب، لجلب ما يمكن جلبه من معلومات مكتوبة، دون أن يخشى من أن يكتشف شاؤول ما يخطط له لأنه يجهل تلك اللغات.

وقد سافر شاؤول بالفعل إلى الجزيرة العربية كما يقول هو بنفسه: “ولكن لما سر الله الذي أفرزني من بطن أمي ودعاني بنعمته أن يعلن إبنه فيّ لأبشر به بين الأمم، للوقت لم أستشر لحماً ودماً ولا صعدت إلى أورشليم إلى الرسل الذين قبلي، بل انطلقت إلى العربية، ثم رجعت أيضاً غلى دمشق. ثم بعد ثلاث سنين صعدت إلى أورشليم (غلاطية: 1 : 15 – 18)

لقد ذهب شاؤول إلى العربية يحمل رسالة من حنّانيا إلى يهود هناك، وقد عاد شاؤول ببعض اللفائف المكتوبة وسلمها حنّانيا.

المرحلة الثالثة ” التلقين”

ما يؤيد ما ذهبنا إليه أن حنّانيا هو من أوحى لشاؤول أن الرب يدعوه ليكون رسوله للتبشير بالصورة الجديدة ليسوع، أن شاؤول لما عاد من جزيرة العرب، لم يذهب مباشرة لأورشليم، ولم يبدأ بنشر مبادئه، لأنه لا يعرف ماذا سيبشر به حتى تلك اللحظة. بل ذهب إلى دمشق لمقابلة حنّانيا وسلمه اللفائف التي جلبها من بلاد النصارى. وهذا ما يعترف به شاؤول بقوله: ” بل انطلقت إلى العربية، ثم رجعت أيضاً إلى دمشق. ثم بعد ثلاث سنين صعدت إلى أورشليم (غلاطية: 1 : 17 – 18)

إذا، شاؤول أحضر لفائف مكتوبة من جزيرة العرب (العربية) وسلمها إلى حنّانيا، وبقي شؤول مع حنّانيا في دمشق طوال ثلاث سنوات ولم يعد إلى أورشليم. وخلال السنوات الثلاث درس حنّانيا تلك اللفائف بكل عناية، واستقر رأيه على أن يتم تلبيس يسوع كل ما عرفه عن شخصية عيسى ابن مريم كما اعتقد النصارى القدامى، مع إضافات استوجبها صلب يسوع. وخلط ذلك بما كان يعرف عن الوثنيات المنتشرة في فلسطين وآسيا الصغرى وسوريا وما حولها في ذلك الزمن. وقد بقي شاؤول في دمشق يتلقى ما يلقيه حنّانيا في روعه، لمدة ثلاث سنوات، كما جاء في كلام شاؤول نفسه السابق: ” بل انطلقت إلى العربية، ثم رجعت أيضاً إلى دمشق. ثم بعد ثلاث سنين صعدت إلى أورشليم (غلاطية: 1 : 17 – 18)

المرحلة الرابعة “التبشير”

وبعد أن أستوعب شاؤول ما سيقوم به جيداً، بعد ثلاث سنوات من التوجيه المركز من حنّانيا، غير اسمه إلى بول (بولس) ولابد أن تغيير الاسم تم بناءً على توجيه حنّانيا وضمن خطته الماكرة، ليتم حبك المؤامرة، وينسى الناس شاؤول القديم، الذي ارتبط اسمه بمحاربة حركة أتباع يسوع.

وما إن أعطى حنّانيا الضوء الأخضر لشاؤول (بولس) بالبدء بنشر الأفكار الجديدة حتى سارع بالجهر بها وهو لا يزال في دمشق. ويبدو أن اليهود الذين في دمشق لم يعجبهم ما سمعوا من شاؤول فتآمروا على قتله، لأنه تجديف وكفر مخالف لمعتقداتهم. ولكن بعض من يعمل مع حنّانيا استطاعوا تهريبه خارج أسوار المدينة ليلاً. وهذا نص ما ورد في أعمال الرسل: ” وكان شاؤول مع التلاميذ الذين في دمشق اياما.20 وللوقت جعل يكرز في المجامع بالمسيح ان هذا هو ابن الله.21 فبهت جميع الذين كانوا يسمعون وقالوا أليس هذا هو الذي اهلك في اورشليم الذين يدعون بهذا الاسم. وقد جاء الى هنا ليسوقهم موثقين الى رؤساء الكهنة.22 واما شاؤول فكان يزداد قوة ويحيّر اليهود الساكنين في دمشق محققا ان هذا هو المسيح.23 ولما تمت ايام كثيرة تشاور اليهود ليقتلوه.24 فعلم شاؤول بمكيدتهم. وكانوا يراقبون الابواب ايضا نهارا وليلا ليقتلوه.25 فاخذه التلاميذ ليلا وانزلوه من السور مدلين اياه في سل.”

((التلاميذ الذين أدلوه في سلة خارج أسوار دمشق هم من تلاميذ حنّانيا)).

ومن هناك انطلق إلى أورشليم لمقابلة إخوة يسوع الذين يترأس حركتهم يعقوب، عله يقنعهم بالتخلي عن مبادئهم التحررية واعتناق الأفكار الجديدة عن يسوع، ولكنه لم يفلح.

وهذا ما يقوله شاؤول عن تلك الرحلة لأورشليم:18 ثم بعد ثلاث سنين صعدت الى اورشليم لأتعرّف ببطرس فمكثت عنده خمسة عشر يوما.19 ولكنني لم ار غيره من الرسل الا يعقوب اخا الرب (غلاظية:1)

ولم يبق في أورشليم سوى خمسة عشر يوماً، كما يقول في النص السابق.

أما سبب خروجه من أورشليم فيبدوا أنه كان بأمر من حنّانيا، الذي لا يريده أن ينشر مبادئه بين اليهود، وهذا هو الدليل على لسان شاؤول نفسه في الإصحاح الثاني والعشرين من أعمال الرسل: “17 وحدث لي بعدما رجعت الى اورشليم وكنت اصلّي في الهيكل اني حصلت في غيبة.18 فرأيته قائلا لي اسرع واخرج عاجلا من اورشليم لانهم لا يقبلون شهادتك عني.”

ويكون شاؤول لم ير رؤياً (غيبة) ولكنه رأى رجلاً حقيقياً أرسله حنّانيا وطلب منه الخروج من أورشليم. وها هو شاؤول يخبرنا أين ذهب: “وبعد ذلك جئت الى اقاليم سورية وكيليكية.” (غلاظية:1:21)

وقرار البدء بنشر المبادئ الجديدة حول شخص يسوع في أرض لا تنتشر فيها اليهودية، غاب عن شاؤول الضيق الأفق، بينما كان واضحاً في ذهن المدبر حنّانيا، الذي يرمي للقضاء على حركة تحررية، وليس نشر ديانة جديدة بين اليهود قد تشكل خطراً على عقيدتهم اليهودية.

واختيار كيليكية كان لأسباب مقنعة، منها:

أنها البلد التي ولد فيها شاؤول، والتي معظم سكانها يعتقدون معتقدات مختلفة، إغريقية ووثنية.

إذا كان بعض سكان تلك البلاد البعيدة عن أورشليم قد سمع عن محاولة يسوع الثورية الفاشلة ضد الرومان، فقد أصبحت ذكراها ضبابية لديهم، لأنه قد مضى على صلبه أكثر من عشر سنوات. ولأن معظم سكانها لم يكونوا من اليهود، فهي تمثل بيئة مناسبة للدعوة إلى يسوع مخالف ليسوع الحقيقي. وعندما تنتشر تلك المبادئ فسرعان ما يصل تأثيرها إلى أورشليم، وستنمو على حساب تناسي الناس لشخص يسوع الحقيقي، وهو الهدف الذي سعى حنّانيا لتحقيقه.

وبالفعل نشط شاؤول في دعوته، وبدأ الناس يتسامعون عن شخص ولد في فلسطين قبل أكثر من أربعة عقود من الزمن، من أم عذراء بعد أن التقاها الروح القدس، لتلد يسوع الذي هو ابن الله الوحيد والذي نشأ كما البشر لكي يتعرف الله على نفسيات وطبائع البشر، لأنه لم يتمكن من فهم لماذا استمروا باقتراف الخطايا منذ أن أقدم آدم على عصيان ربه وطاعة الشيطان وتناول الفاكهة التي أمره ربه بعدم أكلها أو الاقتراب منها. وقد اقتنع الأب أن البشر لا يمكنهم الامتناع عن اقتراف الخطيئة، لأنهم جبلوا على ذلك، ولأن الأب هو من خلقهم بهذه الصفة، فيجب عليه أن يصحح خطأه، لأنه لا يمكن أن يحاسب

الناس على اقتراف الخطايا، وقد خلقهم ولديهم صفة اقتراف الخطيئة، التي لا يستطيعون منع أنفسهم بأنفسهم عنها. لذا فقد قرر الأب أن يقتل ابنه الوحيد يسوع، لكي يكون دمه فداء لذنوب وخطايا ومعاصي البشر، وبالتالي فلم يعد فعل الأعمال الصالحة والعبادات هو المعيار الذي بموجبه سيحصل الناس على النعيم أو العذاب في الآخرة كما يقول دين اليهود، واستبدل ذلك بأن الخلاص من العقاب والحصول على النعيم يكون بالإيمان بأن يسوع، ابن الله الوحيد، وأنه مات على الصليب ليس لأنه حاول الثورة على الرومان، كما يحاول إخوته ومن تبعهم الترويج له، ولكن لأن الأب، قد قرر ذلك رأفة بعباده من البشر.

وهكذا بفضل دم يسوع أصبحت الحياة بالنسبة للمسيحي أكثر متعة، ولم يعد مطالباً بأي عبادات أو واجبات دينية، مع ضمان نعيم الأخرة.

وبعد أربع عشرة سنة من النشاط المحموم في بقاع كثيرة عاد شاؤول أو بولس إلى أورشليم، وهذا نص كلامه: ثم بعد أربع عشرة سنة صعدت أيضاً (أي مرة أخرى) إلى أورشليم مع برنابا آخذاً معي تيطس أيضاً. (أعمال الرسل: 2 : 1- 2)

ولكن بولس لم يرحب به رجال الدين اليهود، واستمروا يطاردونه، حتى مات أو قتل. ولن نتتبع ما حدث له لأنه لا يهم موضوعنا.

 ويكون حنّانيا هو العقل المدبر لبدعة يسوع الجديد، وبولس هو المنفذ لنشر تلك البدعة. ويبدوا أن حنّانيا قد مات عندما كان بولس في كيليكية، لأن بولس عندما عاد لم يذهب إلى دمشق لملاقاته، ولم يذكر أنه رآه أو اجتمع به بعد ذلك.

وهكذا بدأ بولس بنشر عقيدة جديدة تعتمد على تلبيس يسوع ما ليس فيه، وأصبحت هذه العقيدة الأساس الذي قامت عليها المسيحية فيما بعد.

فهو أول من أطلق على يسوع لقب المسيح (Christ). وذلك عندما قال: فليعلم يقيناً جميع بيت إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه رباً ومسيحاً.(أعمال الرسل: 2:36)

وهو أول من قال بأن يسوع ارتفع إلى السماء، وذلك فيما زعمه بأن يسوع بعد أن تحدث إلى بعض أتباعه:

ارتفع وهم ينظرون. وأخذته سحابة عن أعينهم. وفيما كانوا يشخصون الى السماء وهو منطلق إذا رجلان قد وقفا بهم بلباس ابيض. وقالا ايها الرجال الجليليون ما بالكم واقفين تنظرون الى السماء. إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم الى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقا الى السماء. حينئذ رجعوا الى اورشليم. (أعمال الرسل: 1: 6-12)

وهو من قال بأنه جلس على يمين الرب (أبوه)، وأن يسوع هو ابن الرب، وأن أمه كانت عذراء عندما حملت به. وهو من أمر بإلغاء الختان والسماح بأكل لحم الخنزير وشرب الخمر.

وهو الذي ألغى جميع التشريعات الدينية التي كان اليهود يمارسونها على أنها جاءت في التوراة، واعتبر الإيمان بيسوع على أنه المخلص كاف وحده لنجاة المرء، ولا حاجة لأي أعمال أو تشريعات دينية أخرى، وهذا ما قاله: نعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس، بل بالإيمان بيسوع المسيح. آمنا نحن أيضاً بيسوع المسيح لنتبرر بإيمان يسوع لا بأعمال الناموس. لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما. (غلاظية: 2: 16)

((الناموس هو التشريعات الدينية الواردة في التوراة)).

ويقول: ” ولكن إن كان بالناموس بر، فالمسيح مات بلا سبب.” (غلاظية:2: 21)

أي أنه إذا كانت تشريعات الدين تنجي من النار فإن موت يسوع على الصليب لم يكن لخلاصنا، ولا فائدة منه لنا. ((يعني أن التمسك بتعاليم اليهود الدينية يجعل المسيحية بلا معنى، لأن نعاليم اليهود تقوم على التوحيد بينما المسيحية البولسية تقوم على التثليث))

وهكذا تم إلغاء كل التشريعات التي كان يدين بها اليهود.

ونشط بول في تحركاته التبشيرية ما بين عامي (40 – 70م) فقام بالاتصال بروما وبآسيا الوسطى وبعدد من المناطق الأخرى، ويحتفظ لنا كتاب المسيحيين المقدس بـ  13 رسالة تنسب لبولس تضمنت تشريعات ومبادئ المسيحية الحالية.

وفي الفترة من (70م) إلى منتصف القرن الثاني الميلادي، ظهرت، فيما يظن دارسوا تاريخ الكتاب المقدس، الكتب الرئيسية للعهد الجديد. وهي كتب تاريخية تتحدث عن الأحداث التي وقعت إبان وجود يسوع، والتي عدلت لتوافق المسار الذي استنه بولس، ومع ذلك بقيت تحتوي على كثير من الحقائق، وقد أوردنا بعضها في بحثنا هذا، لكن رجال الدين يأولون معناها لتتفق مع مبادئ المسيحية الشاؤولية، والمسيحي العادي لا يقرأ كتابه المقدس، ولو قرأ فلا يفكر بما يقرأ. ولم يعد يسمع الناس عن حركة يسوع المُطالِبة بتأسيس مملكة إسرائيلية في فلسطين، وحل محلها تلك العقيدة التي رسمها حنّانيا ونشرها بولس وسماها المسيحية.

وطوال ثلاثة قرون لم يتقبل معظم الناس مبادئ بولس الجديدة، ولم يكتب لدعوته النجاح والانتشار كديانة إلا بعد أن اعتنقها الحاكم الروماني قسطنطين في بداية القرن الرابع الميلادي، وعمل على إدخال مناسبات وأعياد دينية وثنية كان يعتقدها في دينه السابق إليها، ليكمل الصورة الحالية للمسيحية التي انتشرت في كل أوروبا وأجزاء أخرى من العالم بقوة الدولة الرومانية صاحبة المبدأ الشهير “القوة تنشئ الحق وتحميه”.

وإلى لقاء قادم بعون الله

والسلام

عيسى مقابل يسوع، والنصرانية مقابل المسيحية (13)

اليوم سنتحدث عن كيف انتشرت المسيحية وكيف تطور المعتقد المسيحي. بعد أن عرفنا فيما سبق كيف خلقت المسيحية وكيف ألبس يوسع ثوب عيسى ابن مريم.

مرحلة قسطنطين

العقيدة المسيحية التي ابتدعها اليهودي حنّانيا “الدمشقي”، ونشرها يهودي آخر هو “بول”، وجدت للقضاء نهائياً على دعوة يسوع وإخوته من بعده، الهادفة إلى تأسيس مملكة إسرائيلية لليهود. ولتحل محلها فكرة أن يسوع لم يأت ليخلص اليهود من حكم الرومان ويقيم مملكة لهم، بل جاء ليخلص العالم من ذنوبهم، من خلال دمه المسفوك على الصليب، وبالتالي فمملكة يسوع ستكون في الآخرة، وليست في الدنيا، كما يحلم الإسرائيليون.

وعندما وصل قسطنطين إلى حكم الإمبراطورية الرومانية في العام 313 كانت مسيحية بولس قد وصلت إلى روما الوثنية. لذا ارتأى الإمبراطور أن يجمع الناس تحت مسمى ديني واحد درءً للمشاكل، فأعلن اعتناقه للمسيحية، ثم عمل على تبنيها ممارسات ومناسبات دينه الوثني السابق، وبدأ بإجبار الغير على اعتناق معتقده الجديد.

ونتيجة لذلك أمر في العام 318 بقتل أساقفة يتحدرون من اقرباء يسوع، بعد مناظرتهم لأساقفة من روما، لأنهم يؤمنون ببشرية يسوع ويعلمون أنه لم يولد من عذراء ولم يأت ليخلص الناس من ذنوبهم بدمه، بل جاء ليخلصهم من حكم الرومان وتأسيس مملكة لهم في فلسطين.

وهي أفكار تختلف عن مسيحية روما التي يريد قسطنطين أن ينشرها في العالم.

وفي العام 325 م عقد أول مجمع كنسي في نيقيه بأمر قسطنطين الذي ترأس جلسات ذلك المجمع، من أجل فرض عقيدة أثناسيوس الرومانية (العقيدة الكاثوليكية فيما بعد) وسحق كل من يعارضها[1].

وكان من أهم القرارات التي أصدرها هذا المجمع ما يلي:

أن الذي يترمل من الكهنة لا يتزوج مرة آخرى.

إقرار قانون الإيمان المسيحي الذي ينص على النقاط التالية:

الإيمان بإله واحد، آب ضابط للكل، خالق السماء والأرض، كل ما يرى وما لا يرى.

(المقصود هنا هو الأب “الله”)

الإيمان برب واحد يسوع المسيح. وهذا المسيح هو ابن اللـه الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور.

(هنا يسوع رب واحد، وفي نفس الوقت مولود وابن للإله الأب)

وهو (أي يسوع) إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق.

(وهو ما يعني انتفاء أن يكون الله إله واحد كما جاء في الفقرة الأولى من هذا القانون العجيب المستعصي على الفهم)

وهو (أي يسوع) مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، وبه كان كل شيء.

(أي بواسطة يسوع خلق كل شيء، فهل هذا يعني أنه هو الخالق لكل شيء وليس الأب)

ومن أجل البشر وخلاصهم من الذنوب، نزل من السماء وتجسد بالروح القدس من مريم العذراء، وصار إنساناً وصلب عنا على عهد بيلاطس البنطي.

(أي أن يسوع كان يعيش في السماء منذ الأزل، ولأن الله عجز عن منع البشر من التوقف عن الخطيئة، ولأنه لم يستطع أن يفهم لماذا يصرون عليها، فقد قرر أن يتعرف على خلقه بأن بعث فيهم ابنه الوحيد يسوع ليعيش بينهم كبشر، حتى يتمكن الأب من التعرف على مخلوقاته.

ولأنه يجهل مشاعر خلقه منذ الولادة إلى الممات قرر الله أن يمر ابنه بكل الأطوار التي يمر بها خلق الأنسان.

وقد تألـم ومات وقُبر.  (الإله يتألم ويموت ويقبر؟)

ثم قام في اليوم الثالث وصعد إلى السماء وهو الآن جالس عن يمين الآب.  (لم يقل هذا القانون هل قام الرب يسوع من الموت من تلقاء نفسه، أم أن الأب قد أعاد إليه الحياة، لأنهم لو قالوا قام من عند نفسه فهو مناقض لكونه مات لأن الميت لا يحيط بما حوله، وإن قالوا أعاده الأب للحياة فهذا يعني أنه مخلوق)

وسينزل إلى الأرض بمجدٍ عظيم ليدين الأحياء والأموات الذي لا فناء لملكه. (أي أنه سيكون هو الحاكم بين الناس على الأرض، وبينهم يوم القيامة، ويحتل ما تفرد الله به)

وبناء على هذه العقائد التي شرعتها الكنيسة فإن يسوع وإخوته وأمه لم يكونوا مسيحيين، وبالتالي فلن ينالوا الحياة الأبدية، لأنهم ماتوا قبل أن تولد هذه المبادئ بثلاثمئة سنة.

ومنذ ذلك الوقت قامت حملة مسعورة بحرق وإتلاف كل الكتابات التي تقول بأن ليسوع طبيعة بشرية وأنه لم يولد من عذراء، وحلت محلها أربعة كتب هي المعروفة الآن بكتب متى ولوقا ومرقس ويوحنا، إضافة لرسائل بولس وبعض الرسائل الأخرى التي يحتويها كتاب المسيحيين المقدس الحالي. وحتى تلك الكتب تعرضت نصوصها للحذف والإضافة لتتوافق مع العقيدة الجديدة، ولم تبق على حالها المعدلة التي كانت عليها زمن كتابتها.

ونتيجة لجهود قسطنطين والكنيسة الكاثوليكية في روما تم تبني المسيحية للعديد من المناسبات والأعياد الوثنية، والتي سنمر على أهمها في لقاء قادم بعون الله.

الأطوار التي مرت بها المسيحية عبر المجامع الكنسية

توالى عقد المجامع الكنسية عبر القرون التالية لعصر قسطنطين، وفي كل مرة ينعقد أحدها يتمخض عنه قرارات ملزمة بتغيير لعقيدة مسيحية أو إضافة أخرى، وهذه أهم هذه المجامع التي عقدت عبر التاريخ، وكيف ساهمت بتغيير وتطور الديانة المسيحية حتى أصبحت بالصورة التي هي عليه اليوم:

مجمع القسطنطينية الأول في العام 381

حتى قبل وقت انعقاد ذلك المجمع كان المسيحيون يدينون لإلهين إثنين، هما: الأب والابن (يسوع) ولكن قرارات مجمع القسطنطينية الأول نصت على ” أن الروح القدس هو الرب المحيي، المنبثق من الآب، وهو مع الآب والابن يُسجد له ويُمجد.”

ولكن رجال الدين المسيحي لم يبينوا معنى كون الروح القدس، الإله الثالث الجديد، “منبثقاً من الأب” وهل يعني أنه أخ ليسوع بطريقة ما، أم أنه مخلوق من الأب، وبالتالي فهو أقل درجة من الأب ومن ابنه يسوع.

وهكذا أصبح قانون الإيمان المسيحي ينص على الإيمان بوجود ثلاثة آلهة، هم الأب، وابنه المولود الذي لم يخلق، ومعهم الإله الجديد، الروح القدس، المبهم الشخصية، والذي خرج أو انبثق من الأب، ولم يولد، وذلك بعد أكثر من 350 سنة على موت يسوع.

مجمع إفسيس عام 431

عقد هذا المجمع لمناقشة بطريك القسطنطينية، نسطور، حول إنكاره لألوهية يسوع، وإنكار أن يكون للإله أم بشرية، بحجة أن ما يولد من الجسد فهو جسد، وما يولد من الروح فهو روح، وأم يسوع ولدت يسوع كإنسان.

وقد أقر المجمع أن ليسوع طبيعة ومشيئة إلهية واحدة. وأن أمه عذراء ولدته كإله، وبالتالي فيجب أن تدعى أم الإله.

وكان من نتيجة ذلك أن أعلنت كنيسة القسطنطينية انشقاقها عن عقيدة كنيسة روما، وأصبح هناك عقيدتين للمسيحيين حول المسيح، هما:

عقيدة كنيسة روما تؤمن بأن يسوع إله وأمه أم الإله، وهي العقيدة التي عرفت فيما بعد بالكاثوليكية.

عقيدة كنيسة القسطنطينية التي تؤمن بأن يسوع إنسان ولد من إمرأة ولكنه أداة للقدرة الإلهية، وهي العقيدة التي سميت بالأرثوذوكسية.

مجمع إفسيس الثاني عام 449

وأهم قراراته تمثلت بإعلان أن ليسوع طبيعتين، واحدة إلهية (لاهوت) وأخرى بشرية (ناسوت) وقد امتزجتا معاً، وبالتالي فجسده ليس مساو لأجساد البشر.

مجمع خلقيدونية عام 451

ومن أهم قرارته:

إلغاء قرارات المجمع السابق، واعتبار أن ليسوع طبيعتين ومشيئتين، إلهية وبشرية.

تلى ذلك خلاف آخر بين الكنائس حول الإيمان بالروح القدس كثالث التثليث، والمضاف لقانون الإيمان المسيحي، حيث أضافت الكنيسة الأرثوذوكسية عبارة: “أن الروح القدس منبثق من الأب. بينما أضافت الكاثوليكية عبارة: أن الروح القدس منبثق من الأب والابن”.

فأصبح هناك عقائد مسيحية مختلفة هي:

عقيدة كنيسة الروم الأرثوذوكسية التي تؤمن بطبيعة واحدة بشرية ليسوع، متحدة مع الصفات الإلهية دون اختلاط، وأن الروح القدس منبثق من الأب فقط.

عقيدة كنيسة القسطنطينية التي تؤمن أن للمسيح طبيعتين ومشيئتين، وأن الروح القدس منبثق من الأب فقط.

عقيدة كنيسة روما الكاثوليكية التي تؤمن أن للمسيح طبيعتين ومشيئتين، وأن الروح القدس منبثق من الأب والابن معاً.

ثم انفصلت كنيسة أخرى عن الكاثوليكية بزعامة البطريك يوحنا مارون، الذي أعلن في العام 667 أن ليسوع طبيعتين ومشيئة واحدة، وأصبحت تلك العقيدة تعرف بالمارونية على اسم مؤسسها، وهي التي تنتشر في لبنان حالياً.

وتتابع انعقاد المجامع الكنسية، وفي كل اجتماع كانت تضاف عقائد وتشريعات جديدة للمسيحية.

فقد تقرر في مجمع روما المنعقد عام 1225 أن للبابا حق تملك الغفران ومنحه لمن يشاء.

وأصبح البابا معصوماً بعد انعقاد مجمع روما في العام 1869.

ومن أهم الانشقاقات التي حدثت في المسيحية، الحركة الإصلاحية التي تزعمها مارتن لوثر في القرن السادس عشر، والتي كانت وراء ظهور الكنيسة البروتستانتية التي من أهم معتقداتها ما يلي:

الإيمان بأن ليسوع مشيئتين وطبيعتين، وأن الروح القدس منبثق من الأب والإبن معاً، مثل الكاثوليك.

لكنهم لا يؤمنون بالاعتراف للكاهن بل إلى الله مباشرة، ولا يؤمنون بأسرار الكنيسة السبعة، ولا تحول قطعة الخبز والخمر الذي يقدمه الكاهن للناس في الكنيسة إلى دم وجسد يسوع.

يؤمنون بأن يسوع سيعود وسيقضي على الشر، ويحكم العالم ألف سنة بسلام، أو ما يعرف عند اليهود بهر مجدون.

وقد انقسمت البروتستانتية إلى عقائد مختلفة مثلها مثل الكنائس الأخرى، وظهرت فرق بروتستانتية تؤمن بأن اليهود شعب الله المختار، وأن هناك عهد من الله لتوطينهم في فلسطين، وربط الإيمان بالمسيحية بالإيمان أن يسوع سيعود ليؤسس دولة صهيونية في فلسطين والقضاء على معارضيهم الأشرار، وهو ما يعرف بهرمجدون عند اليهود.

ومن البروتستانت ظهر ما يعرف اليوم بالمسيحيين الصهاينة، ومن أهم تأثيراتهم على الكنيسة أن المجمع الفاتيكاني الثاني المنعقد عام 1965 قد أعلن تبرئة اليهود من دم يسوع.

ثم ظهرت فرق أحدث، ومنها:

المسيحيون المولودون من جديد (Born Again Christians)

وشهود ياهوه (Jehovah’s Witnesses).

المورمون.

وغيرها مئات الفرق المتباينة اليوم.

ولينذكر القراء أن المسيحية تعتبر كتاب اليهود المقدس كتاب لهم، برغم أن كتاب اليهود يدعوا للتوحيد بينما تؤمن المسيحية بالتثليث. وبناءً على هذا فالمسيحي عبارة عن ربع مسيحي وثلاثة ارباع يهودي. ولا يمكن فصل المسيحية عن اليهودية.

وإلى لقاء قادم بعون الله

والسلام

عيسى مقابل يسوع، والنصرانية مقابل المسيحية (14)

إنجيل عيسى

الإنجيل كلمة عربية قديمة من الجذر “نجل” والنجل هو الولد، والإنجيل ليس رسالة منفصلة مستقلة، ولكنه نِجْلٌ للتوارة، ومجدد لها. لكن المفسرون تبنوا ما قال المسيحيون، ورسخوه على أنه الحقيقة..

التي تتكون من مقطعين

والمسيحيون يقولون إن كلمة إنجيل الواردة في القرآن مقتبسة من كلمة يونانية جيد أو حقيقي. ” Euanghilion”  والتي تتكون من مقطعين  EU  وتعني جيد او حقيقي والمقطع الثاني: “Anghillon” ويعني بشارة. وهذا الوصف لكتب المسيحيين لم يقل به مؤلفو الكتب المسيحية: متى، لوقا، يوحنا، ومرقس، ولم يعرفوه في حياتهم. وإنما سميت به كتب المسيحيين من قبل الكنيسة بعد مئات السنين من تأليف تلك الكتب، وبعد ترجمتها لليونانية. ولعل جستن مارتر (الشهيد) هو أول من استخدم كلمة “Anghillon” وذلك في العام  150 ميلادية.

ولم يستخدمها يسوع الذي كان لا يعرف اليونانية المنتشرة في بلاد الشام، ولكن لغته كانت الآرامية كما تقول الكنيسة. وبالتالي فالكلمة اليونانية التي زعموا أنها أصل كلمة “إنجيل” العربية غير صحيح.

بل إن كلمه

بل ان كلمه Anghelos تعني “ملك (احد الملائكه ) او روح او شبح ولا علاقه لها بالانجيلز

والكلمة المستخدمة لكتب متى ويوحنا ولوقا ومرقس في اللغة الإنجليزية هي: “Gospel” وتعني التبشير والنشر. فيقال:

The Gospel According to Matthew, Mark, Luke, and john.

لكنها تكتب بالعربية: إنجيل متى، مرقس، لوقا، يوحنا. للإيحاء أن ما كتبه هؤلاء هو الإنجيل. ولتوخي الأمانة الأدبية في الترجمة فيجب أن تكون عناوين الكتب الأربعة بالعربية، كما يلي: البشارة حسب رواية متى، أو لوقا، أو مرقس، أو يوحنا.

الخلاصة:

إنجيل كلمة عربية تصف رسالة عيسى بأنها نجل للتوارة ومجددة لها، وليس هناك كتاب مكتوب اسمه الإنجيل، لأن عيسى كان يذكر الناس بتعاليم التوارة التي كتب موسى ولم يقم بإعادة كتابتها.

ولا علاقة للإنجيل (الكلمة العربية) بالكلمة اليونانية التي تعني البشارة والتي بدأ استخدامها للإشارة لكتب المسيحيين بعد (150) سنة من عصر يسوع، ثم اعتمدتها الكنيسة بعد ذلك. ولم يسمع بها يسوع ولا من في عصره، ولم يستخدمها.

 وبعد فيما يلي وتلخيص ما سبق:

المحصلة النهائية

برغم أن دعوة يسوع لإقامة دولة إسرائيلية قد لاقت رواجاَ عند بعض الإسرائيليين البسطاء ممن كانوا يعيشون في فلسطين، أملاً في أوضاع أفضل من أوضاعهم المعيشية التي كانوا عليها تحت الحكم الروماني، إلا أن كهنة ورجال دين اليهود من نسل غير إسرائيلي كان لهم رأي مخالف. لأنهم لا يريدون أن يتولى عليهم ملك إسرائيلي، كونهم مستفيدون من وجود الحكم الروماني في فلسطين ويديرون معبد أورشليم. فوقفوا ضد دعوة يسوع حتى استطاعوا أخيراَ القبض عليه ومحاكمته بتهمة التخطيط لثورة على الحكم الروماني في البلاد، مما جعل الحاكم بيلاطس يصادق على حكمهم بالموت على يسوع ويأمر بتنفيذه صلباَ.

وكان يمكن ليسوع أن يصبح ملكاً لو كان الفريسيون والكهنة من نسل إسرائيلي، حيث سيتضامنون مع دعوته، ومن المحتمل أن يوافق الرومان على تنصيبه ملكاً على اليهود في فلسطين تحت مظلة الحكم الروماني. ولو تم ذلك فلن يسمع الناس على الإطلاق بما أصبح يعرف فيما بعد بالديانة المسيحية.

كما أنه كان بالإمكان أن يعفو الزمن على ما حدث ليسوع ويتناسى التاريخ ما صاحب وجوده من أحداث، وإن رويت فستروى باقتضاب عن رجل غير معروف قدم لفلسطين بحثاَ عن استعادة ملك اسرائيلي ولكنه قبض عليه وقتل، لولا أن إخوة يسوع وأتباعه المخلصين قد استمروا في اجتماعاتهم ونشر دعوتهم بسرية على أمل أن تحين لهم الفرصة يوماً ويتمكنوا من تأسيس مملكتهم المنتظرة، عندما تتغير الظروف في فلسطين. وهذا ما يفسر بقاء إخوة يسوع في فلسطين وعدم عودتهم لبلادهم بعد صلب يسوع، وإصرارهم على تكوين تجمع لهم هناك.

وكان يمكن ألا يتمكن أولئك النفر من استعادة الملك ومع الزمن تنتهي تجمعاتهم وينساهم التاريخ، لولا أن أحد أشد المتحمسين اليهود للدفاع عن مبادئ الكهنة والفريسيين، والمؤيدين لبقاء الحكم الروماني في فلسطين، قد أخذ على عاتقه محاربة أتباع وإخوة يسوع وملاحقة كل من ينتمي إلى تجمعهم. وبناءً على مشورة من رجل دين آخر في دمشق واسمه (حنّانيا)، قرر ذلك اليهودي المتحمس واسمه ” شاؤول الذي غيره إلى بول” أن يغير تكتيكه في حرب أتباع يسوع وإخوته. فذهب إلى جزيرة العرب، ومعه توصية من حنّانيا لأناس هناك. واستطاع أن يعود لفلسطين ومعه بعض المعلومات المكتوبة عن تلك العقيدة. وبعد أن درسها حنّانيا أضافها لما يعرفه سابقاً عنها وعن الوثنيات السائدة، وقام بتلبيس كل ذاك الخليط ليسوع، ذلك الغريب الذي قدم لفلسطين، والذي كان قد مات قبل أكثر من عشر سنوات ولم يبق ما يتذكره الناس عنه سوى أنه مات مصلوباَ.

وبدأ بولس بنشر ما يود حنّانيا أن يؤمن به الناس عن شخص يسوع لكي يقطع الطريق نهائياَ على أتباعه وإخوته للمطالبة بملك اسرائيلي في المستقبل، وذلك إذا ما اعتقد الناس أن يسوع لم يكن مطالباً بملك بل جاء ليفتدي ذنوب البشر بموته على الصليب. فهو مسيح لم يأت ليخلص الإسرائيليون من حكم الرومان، ولكنه مخلص لكل الناس من ذنوبهم. (المسيح عند اليهود هو رجل يأتي ليخلصهم من حكم الغير ويبني لهم مملكة مستقلة))

وهكذا ولدت المسيحية لغرض القضاء النهائي على مطالبة الإسرائيليين بحكم اليهود، وتخريب حركتهم التحررية من الداخل. ولكنها تطورت وانتشرت بصورة أكبر مما رسمه لها المبشر بها بول نفسه وأستاذه حنّانيا.

وكان يمكن ألا يكتب للديانة المسيحية التي بشر بها بول البقاء لولا أن الحاكم الروماني قد اعتنقها، في القرون اللاحقة، ومن ثم عمل على نشرها في أوروبا والشرق الأوسط بالقوة التي كانت تتمتع بها روما في ذلك الزمن، بعد أن أغنتها بمناسبات وأعياد دينية متبناة من الوثنيات الأوروبية وغيرها.

ومع تتابع الأجيال تطورت العقيدة المسيحية وتعددت فرقها ومذاهبها مثل اي عقيدة أخرى، ولم يعد يذكر الناس كيف نشأت أو لماذا.

وأصبحت المسيحية اليوم ديانة تختلف في مجملها حتى عن تلك التي نادى بها بول أو القديس بولس كما أصبح يطلق عليه عند المسيحيين.

وكان يمكن أن تعتبر المسيحية وثنية مثل البوذية أو الهندوسية، لو لم تكن ديانة للغرب، الذين يعملون على نشر ثقافتهم وتراثهم وطريقة حياتهم بين الشعوب الأخرى كنوع من التبعية لتفوقهم العلمي والحضاري والإمكانيات المادية. فنجحوا في إظهار المسيحية وكأنها عنواناً للرحمة، وأصبح شعارها “الصليب” رمزاً للشفاء والإنقاذ والنجدة، وتقاطر الناس للدخول فيها برغم أن من أراد التحول للمسيحية فعليه أن يلغي عقله، لأن الأسس التي تقوم عليها هذه الديانة لا تتوافق مع المنطق.

ولا يهمنا أن تسمى بالمسيحية أو أن تسمى بالبولية نسبة لبول الذي نشرها، أو يسوعية نسبة لمن نسبت له. إنما المهم للمسلمين هو أن يعرفوا أن النصارى لا علاقة لهم بمسيحية بولس وقسطنطين، وأن عيسى ابن مريم لا علاقة له بيسوع.

وعلينا تذكر  نقطة هامة وهي:

أن المسيحية ليست دين إلهي وأن المسيحيين كفار. وكون المسيحية دين الغرب فقد فرض علينا هذه الأيام ان نعتبر المسيحية دين وأن المسيحي مؤمن بالله ولا يطلق عليه كافر.

والإيمان بوجود الله لا يكفي، والمسيحيون مشركين، لأنهم يعتبرون يسوع والروح القدس ألهة مع الله. فالتثليث بأي شكل كفر بالله، بشهادة كتاب الله: لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(73) المائدة.

فكل من يعتقد بالتثليث فهو كافر، سواءً كانوا نصارى (يعتقدون بالله وعيسى وأمه) أو كانوا مسيحيون (تثليثهم يقوم على الأب ويسوع والروح القدس)

بل إن القرآن يكفر اليهود الموحدين الذين يؤمنون بالله إله واحد لا شريك له، لكنهم لا يؤمنون برسالة محمد: وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ(101) البقرة.

فكل من لا يؤمن بالله ويدخل الإسلام فهو كافر: وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ(89) البقرة.

وإلى اللقاء القادم بعون الله وهو الأخير للحديث عن أهم مناسبات المسيحيين.

والسلام

عيسى مقابل يسوع، والنصرانية مقابل المسيحية (15) “الحلقة الأخيرة”

اليوم سنعطي نبذة مختصرة عن تاريخ أهم الأعياد والمناسبات المسيحية وأصولها الوثنية وكيف تم تبنيها في المسيحية

عيد الميلاد (الكريسماس)

كان ساتورن في روما القديمة هو إله الزراعة، وكانت الاحتفالات تقام لهذا الإله كل عام لمدة أسبوع كامل فيما بين السابع عشر من ديسمبر وحتى الخامس والعشرين منه. وخلال هذا الأسبوع كانت محاكم روما تغلق، ويمنع توقيع عقاب على إتلاف الممتلكات أو التعرض للأشخاص. وخلال ذلك الأسبوع الاحتفالي يتم اختيار شخص ممن لديهم نشاطات عدائية ضد الحكومة، ويطعم من كل أصناف المأكولات ويسمح له بممارسة كل أنواع المتع، وفي اليوم الأخير يتم إعدامه، لكي يتم القضاء على قوى الشر والظلام.

وخلال أسبوع الاحتفالات يمارس الناس كل أنواع الموبقات، ومن ذلك شرب المسكرات، والتنقل من بيت لآخر وهم يغنون عراة، وتتعرض النساء والغلمان للاغتصاب العلني، وإلى غير ذلك.

كما يتم خبز أنواع من البسكويت على شكل أجساد بشرية، وهذه العادة لازالت قائمة في بعض مناطق بريطانيا وألمانيا إلى اليوم أثناء الكريسماس.

وقد تم تبني احتفالات عيد الآلهة ساترون وإدخالها للمسيحية على يد رجال الدين في القرن الرابع الميلادي في محاولة لجذب الوثنيين للمسيحية بالسماح لهم بالاحتفال بذلك العيد.

ولكي يتم تبني تلك الاحتفالات كجزء من المسيحية فقد أوحى رجال الدين أن اليوم الأخير من تلك الاحتفالات وهو الخامس والعشرين من ديسمبر، هو اليوم الذي ولد فيه يسوع.

وسمحت الكنيسة بأن تستمر الاحتفالات بالكريسماس بنفس الاحتفالات السابقة للآلهة ساترون، فأستمر المسيحيون يفرطون في شرب المسكرات، والعهر الجنسي الفاضح، والغناء عراة في الشوارع.

وبسبب أصوله الوثنية فقد تم تحريم الكريسماس في ولاية ماساتشوسيتس الأمريكية في العام 1659وبقي هذا التحريم ساري المفعول حتى العام 1681.

كما استمرت احتفالات الكريسماس المتضمنة ممارسات غير أخلاقية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

سانتا كلوز

تبدأ قصة سانتا كلوس (Santa Claus) عندما ولد في بارار في آسيا الصغرى رجل إسمه نيكولاس (Nicholas) سنة 270 ميلادية، وقد عمل في الكنيسة حتى أصبح مطراناً، وتوفي في السادس من ديسمبر من العام 345 ميلادية، ولم يطلق عليه لقب ” قديس” إلا في القرن التاسع عشر.

والمطران نيكولاس ممن سعى لانعقاد مجمع نيقيه الكنسي في العام 325 ميلادية، حيث تبلورت الصورة الحالية لكتاب المسيحيين المقدس، وتم تبني عقيدة القول بأن يسوع ذو طبيعة واحدة إلهية وليس بشراً، كما كان من توصيات ذلك المجمع أن وصف اليهود بأبناء الشيطان، الذين حكموا على يسوع بالموت.

وفي العام 1087 ميلادية قامت مجموعة من البحارة الإيطاليين المتأثرين بأفكار نيكولاس، بحفر قبره، ونقلوا ما تبقى من عظامه إلى مزار في باري الإيطالية، حيث حل محل آلهة أنثى مشهورة بالهبات تسمى ” الجدة” أو “باسكا إبيفانيا”، والتي كان الناس يعتقدون أنها تملأ جوارب الأطفال بالهدايا. وتحول مزار الجدة إلى مزار لطائفة نيكولاس، وأصبح من المعتاد أن يتبادل أتباع نيكولاس الهدايا في ذكرى وفاته يوم السادس من ديسمبر كل عام.

وسرعان ما انتشرت أراء وطقوس أتباع نيكولاس شمالاً ووجدت من يتبناها في الجماعات الوثنية الألمانية والسلتيك الذين كانوا يعبدون مجموعة من الآلهة يتزعمها إله يسمى وودن (Woden) الذي كان لديه لحية طويلة بيضاء، والذي كان يظهر في إحدى ليالي الخريف في السماء وهو يمتطي حصاناً طائراً.

وقد امتزجت شخصية نيكولاس بشخصية وودن، فاختفى مظهر نيكولاس البحر متوسطي، وأصبح يمتطي حصاناً طائراً، وغير موعد ظهوره من ليالي الخريف إلى السادس من ديسمبر، وأرتدى ملابس الشتاء الثقيلة.

وفي محاولة لإقناع الوثنيين في شمال أوروبا بالدخول في المسيحية، قامت الكنيسة الكاثوليكية بتبني عقيدة أتباع نيكولاس، وبدأت تبشر بأنه كان يعطي الهبات والهدايا، ولكن بمناسبة ميلاد المسيح في يوم الخامس والعشرين من ديسمبر وليس في اليوم السادس.

وفي 1809 ميلادية كتب الروائي الشهير واشنطون إيرفينج (Washington Irving) رواية حول التراث الألماني بعنوان:

(Knickerbocker History) وقد أشار فيها عدة مرات إلى القديس نيكولاس ذو اللحية الطويلة البيضاء والذي يمتطي الحصان الطائر، مستخدماً اسمه الألماني سانتا كلوس (Santa Claus)

وقد قرأ الرواية الدكتور كليمنت مور البروفيسور في معهد لاهوتي. وفي العام 1822 ميلادية نشر البروفيسور قصيدة تتحدث عن صفات سانتا كلوس كما قرأ عنها في رواية واشنطون إيرفينج، مع بعض التحوير. حيث صورت القصيدة سانتا كلوس وهو يهبط على أهل المنزل من مدخنة المدفئة ممتطياً عربة تجرها ثمانية من حيوانات الرنة، بدل الحصان الطائر.

وفيما بين عامي 1862 & 1886 قام الفنان البافاري توماس ناست (Thomas Nast) برسم 2200 شكل كرتوني لسانتا كلوس أو القديس نيكولاس، معتمداً على قصيدة كليمنت مور.

وكان القديس نيكولاس قبل ذلك يصور بصور شتى، من القديس الصارم الملامح إلى قزم في عباءة راهب. كما أوجد الفنان ناست للقديس نيكولاس بيتاً في رسوماته، في القطب الشمالي، مليء بالأقزام، ويحوي قائمة بأسماء كل الأطفال الطيبين والأشرار في العالم.

وبذلك اكتملت صورة سانتا الحالية فيما عدا ملابسه الخارجية الحمراء.

وفي العام 1931 ميلادية وقعت شركة كوكا كولا عقداً مع الرسام السويدي هادون صندبلوم (Haddon Sundblom) لرسم لوحات إعلانية عن مشروبها باستخدام شخصية سانتا. وقد اختار الفنان هيئة سانتا على شكل صديقه البدين (Lou Prentice) الذي يتمتع بوجه ممتلئ ولكنه بشوش جداً.

ولأن شركة كوكا كولا قد أصرت على أن تظهر بدلة سانتا بلون الشركة الأحمر فقد ظهر سانتا كلوس بهيئته الحالية لأول مرة في رسومات الفنان السويدي الدعائية لمشروب الكوكا كولا في ذلك العام.

وهكذا ولد سانتا كلوس، مزيجاً من حملات التبشير الصليبية لتنصير أوروبا، مع آلهة للوثنيين الأوروبيين، إضافة لشخصية وهمية في إعلان تجاري.

شجرِة الميلاد

وكما عيد الميلاد فإن شجرة الميلاد أيضا تقليد وثني سمح رجال الدين المسيحي بتبنيه في المسيحية لجذب الوثنيين الأوربيين الذين كانوا يعبدون الأشجار، ويجلبونها لبيوتهم ويزينونها كما تزين شجرة الميلاد الحالية.

قيام يسوع

كان الوثنيون في آسيا الوسطى القدماء يؤمنون بآلهة الطبيعة والإخصاب سيبل (Cybele)، وكان لها عشيق اسمه آتيس (Attis) وهو إله مولود من عذراء، ويقوم من الموت كل سنة مرة في الفترة من 22 – 25 مارس.

وفي حوالي 200 قبل الميلاد بدأت هذه المعتقدات الغريبة تظهر في روما، فعرفت الآلهة سيبل ورفيقها أتيس. وأصبح الاعتقاد بأن أتيس مات في يوم الجمعة، فسميت الجمعة السوداء، أو الجمعة الحزينة، وأنه قام من الموت في اليوم الثالث، وكانت الاحتفالات تتواصل كل عام في هذه الأيام الثلاثة.

ولما اعتنق الرومان المسيحية نسبت القيامة ليسوع من أجل اجتذاب الوثنيين للدخول في المسيحية، فأصبحت الجمعة الحزينة هي التي صلب فيها يسوع، وأصبح يوم الأحد هو اليوم الذي قام به يسوع من الموت.

ومثله عيد الإيستر (Easter Day) الذي تم تبنيه للمسيحية من معتقدات وثنية، حيث أن إيستر كانت أم الآلهة للشعوب الأنجلو ساكسونية في شمال أوروبا.

وليس في المسيحية مناسبة دينية واحدة ليس لها أصل وثني على الإطلاق، لذا أصبحت الوثنية الأوروبية مصدراً غنياً للمسيحية.

وبهذا نكون قد انتهينا من توضيح أن عيسى ابن مريم رسول الله لبني إسرائيل ليس له علاقة بيسوع لا في المكان ولا في الزمان ولا في المعتقد ولا في التكليف. وأن النصارى لا علاقة لهم بالمسيحيين. وأن كتب المسيحيين المقدسة لا علاقة لها برسالة عيسى ولا إنجيله.

والغاية من هذا هو أن يعي المسلمون هذه الفروق وأن يتعاملوا مع المسيحية على أنها ليست ديانة إلهية تحول أهلها عنها عبر الأجيال كما يحدث مع كل الأديان. ولكنها ديانة بشرية من البداية لا يهمنا أمرها. ولم يكن لديهم كتاب اسمه إنجيل نزل من السماء، ولكن كتبهم عبارة عن تسجيلات تاريخية مشوهة عن فترة يسوع وما حدث له. ولو كف المسيحيون أيديهم والسنتهم عن المسلمين وكتاب الله القرآن ورسوله محمد ولم يحاولوا نشر خزعبلاتهم بيننا وكأنها دين إلهي، فلن يهمنا أمرهم ولا كتبهم ولا يسوعهم.

وعلينا كمسلمين أن نغير مفاهيمنا التي رسخت عنها وعن يسوع. مع الإبقاء على التعامل الإنساني مع المسيحيين المسالمين كما يجب أن نتعامل مع كل أهل الأرض بمختلف عقائدهم. دون أن نحترم تلك العقيدة المختلقة أو ننظر ليسوع كنظرة تبجيل كما ننظر لرسل الله عليهم الصلاة والسلام، أو نترجم عيسى في القرآن إلى Jesus  في الترجمات الأجنبية بدل Esau أو Esa كما هو بالفعل.

 ** كل المنشور تم اقتباسه من كتاب : مسيحية بولس وقسطنطين بتصرف وبعض الإضافات.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ملاحظه مهمه : المقال منقول بالكامل وتمثل وجهه نظر من كتبها فقط ، احببت مشاركتها على صفحتي اعتقادا مني انها مفيده